تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43

ومن ثم أصبح المنطق مفهوما للخاصة والعامة، وتحول العلم من هيكل عظمي إلى علم بلحمه ودمه. وانتقل المنطق من الرياضيات إلى الطبيعيات والإنسانيات.

كما يتحول المنطق من لغة الخاصة إلى لغة العامة، من لغة المناطقة إلى لغة الجمهور.

44

ومن ثم يمكن القول إن التلخيص هو تجاوز للمنطق الصوري الوافد إلى أسس للمنطق الشعوري الموروث، وتحليل المقولات والقضايا والموجهات على أسس شعورية. فالصدق والكذب، والتضاد والتقابل، والوجود والإمكان، والضرورة والاستحالة والسلب والإيجاب إلى آخر هذه المقولات المنطقية موجودة في النفس وفي العالم

وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون ،

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم . وهو التوجه القرآني أصل الموروث الأول. المنطق الصوري الخالص يفرغ الفكر من مضمونه، ويترك الشعور فارغا خارج محليته. يقع في بئر صوري لا خروج منه، في بعض أشكال ورسوم كمتاهة عقلية فارغة كما وقع ابن سينا في أشكال القياس (216 شكلا).

45

وإذا كان المنطق الصوري يقوم على أكبر قدر من التعميم فإن المنطق الشعوري يرعى الفروق الفردية في استعمالات الناس للغة. فالصدق والكذب أنماط للاعتقاد، تختلف من جزء إلى آخر.

46

المنطق الصوري خارج الزمان، والمنطق الشعوري في الزمان. المنطق ليس مجرد قواعد صورية تعصم الذهن من الخطأ بل له نتائج عملية في السلوك الإنساني، وقدرة الإنسان على الإقدام والإحجام. فالمنطق الصوري هو منطق للفعل. المنطق النظري منطق للاستعمال. إن خطورة المنطق الصوري هو أنه تحصيل حاصل، تمرينات عقلية، اتساق الفكر مع نفسه، اطمئنان النفس إلى الاتساق بعيدا عن التناقض، تطهر من العالم، وابتعاد عن الموضوعات، واكتفاء بالشكل دون المضمون. يخلق المنطق من نفسه موضوعا وهو بغير ذي موضوع.

47

لذلك أبدع المسلمون في الجدل والسفسطة والخطابة والشعر أي في المنطق الإنساني في الحوار مع الخصوم والجدال معهم، وفي التأثير على النفوس وإثارة الخيال. (3) تلخيص القياس

وهو أكبر التلخيصات حجما

48

وهو تلخيص على المعاني وليس على الألفاظ (الشرح) أو الأشياء (الجوامع). ولا تظهر أفعال القول إلا في عشر الفقرات. وباقي الفقرات تبدأ بالأشياء ذاتها، بالموضوعات وليس بالأقوال، صحيح أن «قال» هو الأكثر شيوعا ولكنها صيغة مقابلة أيضا بصيغ «نقول»، «قلنا». فأرسطو يقول وابن رشد يقول في تقابل بين المشروح والشارح، بين الموضوع والذات.

49

أما باقي الأفعال فإنها تمثل ربع الفقرات أي أن الأشياء ما زالت لها الأولوية على الأفعال.

50

وهي أفعال الشعور المعرفي مثل الظن والاحتجاج والوهم والسؤال والإقرار والعرض والتوهم والغلط. وبعضها أفعال الاستدلال المنطقي مثل الوضع والاستنتاج والإيجاد والتخصيص والإيقاع والرفع والشرط. وتكون الأفعال إيجابا مثل ينبغي، يكون، أو سلبا مثل لا ينبغي، لا يكون.

وتأتي أفعال البيان لتستغرق نصف الفقرات تقريبا في صيغ «قد تبين» أو في صيغ أسماء «بيان». ومعظمها في صيغ شرطية «لما كان»، «أما كيف»، «أما أن»؛ فالبيان نتيجة الشرط، وانتقال عن فعل الشرط إلى جواب الشرط.

51

أما الأسماء فهي أيضا حوالي ربع الفقرات ومعظمها موضوعات المنطق فردا وجمعا مثل القياس والمقاييس، المقدمة والمقدمات، والقضايا والأشكال، والضروب والأصناف، والمطالب والأجناس، والحدود والوجوه .

ويظهر مسار الفكر من المقدمات إلى النتائج، من البدايات إلى النهايات في الإحالات إلى ما سبق أو إلى ما يلحق، ومن هنا تبدو أهمية الاتساق والاعتماد على منطق الخلف.

52

كما يظهر الغرض الذي يحدد مسار الفكر نحو غاية.

53

ويظهر تعليل الفكر ببيان أسباب الصدق والكذب. ويظهر مسار الفكر بوضوح على أنه نظرية في البيان والإيضاح.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٠٥