13
ومن الموروث الفلسفي لا يظهر إلا الفارابي في معرض النقد في تحديده للجوهر بسبب تبعيته للمفسرين، وابن رشد يعود إلى كتاب أرسطو نفسه ويفسر الكتاب بالكتاب على طريقة المفسرين المسلمين. كذلك أخطأ أبو نصر في تأويله الإضافة وضرب المثل عليها بالكينونة على عكس ظاهر كلام أرسطو، وتظهر بعض ألفاظ الموروث مثل النحو والفقه بحيث لا يبدو الوافد غريبا على الموروث. بل إن ألقاب ابن رشد ألقاب موروثة فهو الفقيه الأجل العالم المحصل.
14
ويبدأ التلخيص بالبسملة والصلاة والسلام على محمد وآله.
15
والموضوع نفسه رابط بين الوافد والموروث، ويسهل تعشيق الاثنين فيه لأنه موضوع لغوي يتعلق بعلاقة اللفظ بالمعنى، والأسماء المترادفة والمشتركة والمتواطئة أي أنه يتعلق بالجانب اللغوي للمنطق. فالنحو منطق العرب كما أن المنطق لغة اليونان كما هو الحال في المناظرة الشهيرة بين المنطق والنحو بين متى بن يونس وأبي سعيد السيرافي.
16
فهو منطق على مستوى اللغة حتى ولو بدت المقولات على مستوى الطبيعة مثل الجوهر والعرض، الكم، الكيف، الزمان، المكان، الوضع، الإضافة، الفعل والانفعال والملكية. بل إن الكليات الخمسة أو الأجناس الخمسة أو الأسماء الخمسة هي أيضا ألفاظ أكثر منها موضوعات، لغة أكثر منها أشياء أو هي تصورات منطقية تبدأ من اللغة وتنتهي إلى الوجود، وبها التسلسل الهرمي الذي يتراوح بين الواحد والكثير أو الدوائر المتداخلة ذات المركز الواحد.
17 (2) تلخيص العبارة
وتتداخل موضوعات العبارة مع موضوعات المقولات. فالعبارة هي الجملة والمقولات الكلمات. والجملة مكونة من كلمات. العبارة هو الخط، والمقولات النقاط، والخط مكون من تكرار عدة نقاط على نحو متواصل؛ لذلك تظهر الأسماء والكلمات والأقوال والمعاني قبل القضايا والموضوع والمحمول والجهات والمتقابلات والمتلازمات.
18
ومع ذلك، يقل النقل ويتزايد الإبداع من تلخيص إلى تلخيص لاحق. فالتلخيصات الأولى أقرب إلى أرسطو، والأخيرة أقرب إلى ابن رشد، تدريجيا في مسار التحول من النقل إلى الإبداع، يقل في منطق اليقين: المقولات، والعبارة، والقياس، والبرهان. ويزيد في منطق الظن: الجدل، والسفسطة، والخطابة والشعر. الأول به قدر كبير من العمومية في حين أن الثاني به قدر كبير من الخصوصية.
وتظهر أفعال القول في نصف الفقرات تقريبا.
19
ولكن العبارة بعد القول ليست نصا حرفيا لأرسطو بل قولا لابن رشد يعبر فيه عن فكرة أرسطو كما هو الحال في الجوامع، ولم تذكر نصوص لأرسطو في تلخيص العبارة إلا نادرا؛ فالتلخيص هنا تأليف غير مباشر، إعادة إنتاج نص أرسطو بعبارة أوضح وأكثر تركيزا وأقرب إلى الفهم في الثقافة العربية. التلخيص هنا تعبير عن معاني أرسطو وتحقيق مقاصده بعبارات جديدة. وهو يمثل قدرة فائقة على الفهم والتمثل والاستيعاب وإعادة العرض والتعبير.
20
كما أن أرسطو هو البداية وابن رشد هو النهاية؛ لذلك يعرض ابن رشد لقضايا جديدة لا نظير لها عند أرسطو فيما يقرب من خمس التلخيص.
21
فإذا كان ابن رشد في تلخيص المقولات قد لخص المعاني وتابع نفس قسمة الكتاب إلا أنه في تلخيص العبارة غير ترتيب نص أرسطو وقسمته. ولخصه في خمسة أقسام فقط جامعا في كل قسم أكثر من فصل لأرسطو. وهو أيضا تلخيص للمعاني وليس شرحا للألفاظ كما يصرح بذلك ابن رشد نفسه في آخر عبارة في «تلخيص العبارة».
22
وأحيانا يكون التلخيص أكثر طولا من نص أرسطو دون أن يكون أقل دقة. وقد تجاوز ابن رشد في «تلخيص العبارة» أفعال القول إلا نادرا.
23
ومنها ما لا يتبع أرسطو على الإطلاق.
ويتحدث ابن رشد بضمير المتكلم المفرد أو الجمع في عدة صيغ مثل «أقول» «أقوله» ثم «نقول»، «قلنا». كما تظهر أفعال أخرى مثل «ذكرنا»، «فسرنا». فابن رشد يقول أكثر مما يقول أرسطو، والأنا تتكلم أكثر مما يتكلم الآخر.