تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وواضح أن ابن رشد هو الذي جعل التلخيص نوعا أدبيا مستقرا ودائما؛ إذ لخص فيه كل كتب المنطق وبعض كتب الطبيعيات.

3

ويبدأ التلخيص بأفعال القول دون التنصيص في نصف الفقرات تقريبا في صيغة «قال» أو «يقال» أو «يقول» أو «قيل». كما تتداخل بعض أفعال الكلام مثل: «يتكلم» والإرادة «يريد»، والظن «يظن». وباقي الفقرات التي تبلغ أكثر من النصف تبدأ بالأسماء أي الأشياء ذاتها. فابن رشد لا يتعامل فقط مع القول غير المباشر نظرا لغياب القول المباشر ولكنه يتوجه إلى الأشياء مباشرة محللا إياها وواصفا لها، عينه على الموضوعات ذاتها مثل عين أرسطو عليها للاتفاق معه في الرؤية أو الاختلاف معها.

4

الغاية من التلخيص توضيح النص أمام الذات، واستيعابه إلى الداخل وليس عرضه إلى الخارج، وتحويله إلى بؤرة عقلية وموضوع ذهني. التلخيص هو تخليص النص من شوائبه اللغوية وتحريره من الألفاظ من أجل اقتناص المعاني. ولا يخلو التلخيص من النقد وتبديد الشكوك والتحول من الظن إلى اليقين. يكشف عن فكر باحث ومحقق وليس مجرد فكر ملخص وعارض؛ لذلك تكثر ألفاظ الشك والمماراة والظن واليقين.

5

والغرض من التلخيص بيان المعاني التي تضمنتها كتب أرسطو في صناعة المنطق. فإذا كان الشرح يتوجه نحو اللفظ فإن التلخيص يتجه نحو المعنى وتحصيله بحسب الطاقة، وترك الباب مفتوحا لغيره دون إعطاء القول الفصل. وهو جزء من مشروع، متكامل، وذلك على عادتنا في سائر كتبه، لعرض النسق الأرسطي من خلال أعماله.

6

والبداية بالترتيب، بالمقولات ثم العبارة ثم القياس ثم البرهان في منطق اليقين، ثم بالجدل ثم السفسطة ثم الخطابة ثم الشعر في منطق الظن. ويعتمد التلخيص على القسمة، والقسمة أحد وسائل التعريف؛ إذ ينقسم كتاب المقولات إلى ثلاثة أقسام من العام إلى الخاص إلى الأخص أو من الأصل إلى الفرع إلى فرع الفرع. فالأصول هي الأمور العامة التي تخص كل المقولات، والفرع عرض مقولة مقولة من المقولات العشر، وفرع الفروع اللواحق العرضية العامة المشتركة بين المقولات.

7

ويظهر مسار الفكر في وضع المقدمات والانتهاء إلى النتائج.

8

ومن الوافد يذكر أرسطو بطبيعة الحال فهو صاحب الكتاب. وينسب إليه الرأي الخاص مثل تعريف المكان بالحاوي والمحوي والسطح الملامس. كما تنسب إليه باقي أعماله مثل ما بعد الطبيعة والمقولات.

9

كما يلجأ إلى ظاهر كلامه كمقياس لتأويل المتأول وشرح الشراح وتفسير المفسرين مثل الحكماء والمسلمين خاصة أبا نصر. فالعودة إلى الأصول طريق الخلاص من الشراح والمؤولين والمفسرين، العودة إلى الكتاب نفسه كما هو الحال عند أهل السلف وعند البروتستانت الغربيين. فالكينونة ليست من المضاف إلا بجنسها، ويحال إليه لإثبات التضاد وجعله نسبيا متغيرا. فالصالح قد يكون طالحا والطالح قد يكون صالحا بالمعاشرة.

10

ويحال إلى أفلاطون في إحدى تعريفات المضاف بالرسم. ويحال مرة أخرى إليه مع سقراط كمتضادين.

11

كما يضرب المثل بسقراط على عادة اليونانيين دلالة على الشخص كما يضرب المثل بزيد وعمرو على عادة العرب، وبطرس وبولس على عادة الأوربيين المحدثين.

12

ويظهر الموروث اللغوي على استحياء مثل اللسان العربي أو كلام العرب دون الموروث الديني في مقابل اللسان اليوناني وعادة اليونانيين حتى يظهر التقابل بين الموروث والوافد، بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر. ففي اللسان العربي يحمل الاسم دون الحد. وليس ببعيد أن يوجد في اللسان العربي أفعال ليس لها مصادر. وقد تكون بعض الأسماء غير مشتقة في اللسان اليوناني ومشتقة في اللسان العربي. وفي اللسان اليوناني قد يكون للكينونة المجردة من حيث هي موضوع اسم مشتق من اسم آخر مثل اشتقاق مجتهد من الفضيلة وليس فاضلا. فكل لسان له اشتقاقه. ويدل اسم الملكة في اللسان اليوناني على الأشياء الأطول زمانا في الثبوت والأعسر حركة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامع · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٣) الشرح: التفسير – التلخيص – الجوامعص ١٠١