تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35

بل إن الأخطاء اللاإرادية اللاواعية تدل على اللاوعي في الحضارة الجديدة مثل كتابة «آلي» على أنه «إلهي»، إذا ما تغيرت اللازمة الدينية تم تصحيحها حتى تتفق مع الإيقاع اللفظي وموسيقى اللغة.

36

وفي المقابل أثناء حركة الترجمة المقابلة من العربية إلى اللاتينية، تم إسقاط هذه الافتتاحيات الدينية الإسلامية؛ لأنها لا تعبر عن البيئة الثقافية اللاتينية الجديدة، التي تم نقل النص إليها، وأصبح نصا مجردا أو تضاف إليه افتتاحيات المسيحية الخاصة بالبيئة الثقافية الجديدة، فإذا غابت البسملة في بداية مقالة، فإنما يكون ذلك خطأ أو نسيانا.

37

وتعطي الافتتاحيات الدينية الجو الثقافي الديني العام، الذي ينقل إليه النص الديني؛ فليست الغاية هو نقل نتاج الآخر، بل تمثل الأنا له، وإعادة إنتاجه كتمثل للأنا. ولا تكون هذه الافتتاحيات الدينية في أول الكتاب وحده، بل قد تكون في أول كل باب وفصل ومقال، كما هو الحال في أثولوجيا أرسطوطاليس في أول كل ميمر.

38

وحتى لو خلا النص المترجم من النقل الحضاري، فإنه لا يخلو من البسملات والحمدلات والصلوات في بدايات الرسائل ونهاياتها، علامة على البيئة الثقافية الجديدة وعنوانا عليها، ولو على نطاق محدود.

39

وبطبيعة الحال تبدأ النصوص الموضوعة على لسان الفارابي من أفلوطين بالافتتاحيات الدينية، بالحمدلات والبسملات فهو بها أولى.

40

وهناك عبارات إسلامية أخرى مثل «إن شاء الله» داخل النص، تكشف عن أن الترجمة هي إعادة إنتاج للنص بأكمله من بيئة ثقافية إلى بيئة ثقافية أخرى،

41

ويتم الترحم على المؤلفين والشارحين والمترجمين والناقلين كتقليد إسلامي موروث، حتى ولو كانت المادة المنقولة يونانية وافدة.

42

وبالرغم مما قد توحي البسملات والحمدلات والصلوات والتسليمات بأدلة خارجية، إلا أنها تكشف عن البيئة الدينية التي يتم فيها النقل، تضع النص المنقول في إطاره الثقافي الجديد، وتبدأ بالبسملة والحمدلة وتدعوه للعصمة من الزلل في الفكر والعمل؛ فالنص موجه للتصور والسلوك، للنظر وللعمل،

43

والدعاء للمترجم برفع المنزلة يدل على رتبته في العلم، وشأنه الرفيع في مجتمعه، والترحم عليه، والدعوة له بالعزة والرضى وطول العمر والبقاء، مع تحديد خط الناسخ، والتعرف على صاحبه، والترحم عليه، والدعاء له برفع درجاته، وإلحاقه بالأبرار الصالحين والأخيار الطاهرين، والدعوة له، والترحم عليه، وطلب الرضى له، لا فرق في ذلك بين مسلم ونصراني، كلهم مشايخ الأمة لهم الرحمة بصرف النظر عن ملتهم.

44

وسواء كانت هذه الإضافات من الناقل أو الناسخ أو القارئ، فهي تدل في كل الحالات على الجو الثقافي العام وطابعه الديني؛ فالنص موقف حضاري شعوري قبل أن يكون حاملا لفكر. ولا يقال إن ذلك إعلان عن عقائد شخصية أو عادة اجتماعية لا شأن لها بالنص، بل تعبر عن الحالة الذهنية والشعورية للمتفاعل مع النص، ناقلا وناسخا وقارئا ومالكا. وسواء كانت هذه العبارات الدينية من عصر المترجم أو الناسخ الأول أو الثاني، فإنها تدل على البيئة الثقافية والجو الحضاري العام، بل إن وجودها في عصر الناسخ أكثر دلالة؛ لأن النسخ قديم في هذا الجو الديني الثقافي العام، ونسبة هذه المقدمات والنهايات الدينية في الترجمة قليلة، وتزيد شيئا فشيئا انتقالا من الشرح إلى التلخيص إلى الجوامع، حتى تتأكد في العرض والتأليف والإبداع. ويستعمل المترجم هذه العبارات الدينية الإسلامية النمطية لتعظيم الله، حتى بالرغم من كونه مسيحيا بعد أن أصبح الإسلام ثقافته الوطنية.

45

ومع ذلك يمكن شرح النص مستعملا ثقافته الدينية الخاصة، توكيدا العقيدة التثليث المسيحية، بل إنه ينقل النص في ترجمته قبل شرحه، ويقرؤه قراءة مسيحية، فإذا ما ذكر أرسطو أن الأقسام مثلا تذكر باسم ثلاثة آلهة؛ ففي هوميروس قسم زيوس وأثينية وأبولون، قرأ المترجم هذا القسم بأنه باسم الأقانيم الثلاثة، فهل كان هناك مشروع تأويل مسيحي سابق على مشروع القراءة الإسلامية؟ يغيب الدين الباشر في الشروح من المترجمين النصارى، كما يغيب النقل على الداخل، ومع ذلك يتم النقل على أساس التوحيد العقلي والبيئة الداخلية الثقافية العقلية. ويكون السؤال: هل الغرض من الشرح على أيدي الشراح النصارى الإعداد لمشروع مسيحي خاص، أو المشاركة في المشروع الإسلامي القومي العام؟ وكما تعبر البدايات عن الجو الديني تعبر النهايات أيضا عن نفس البيئة الثقافية. وكما يبدأ النص بالبسملة كذلك ينتهي بالحمدلة، الحمد لله على إنعامه، ولله حق حمده، والحمد لله وحده، والحمد لله ولي العدل وواهب العقل، ذي الجود والحكمة والعدل. كما تظهر الألفاظ الفلسفية مثل الحكمة والعقل والسرمدية،

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٧٢