31
ولا تعني عملية الاحتواء، إرجاع الوافد إلى الموروث وتمثل الموروث للوافد، إرجاع علوم الحكمة إلى حظيرة الدين، وأن الدين قد احتوى كل شيء، كما هو الحال في الحركة السفلية القديمة والمعاصرة؛ وبالتالي ينهدم العقل بعد أن تم كسبه وإثباته. إنما هو رد فعل على الاستشراق وتفريغ الحضارة الإسلامية من مضمونها عن طريق الأثر والتأثر. ليس الوافد هو الذي أثر في الموروث فأنتجه، بل إن الموروث هو الذي أعاد إنتاج الوافد، باحتوائه وتمثله ووضعه في تصور أعم وأشمل، ووضع العقل وحده في العقل والنقل.
كان دور العرب في إنشاء النهضة في أوروبا عن طريق الترجمات العقلانية الكاملة، التي تعبر عن منظور حضاري إسلامي بعد أن تم احتواء التصور اليوناني. ويعترف الوعي الأوروبي بلا تردد بدور التراث الإسلامي في تكوين الوعي الأوروبي في عصر النهضة، ويعطي الأولوية للعامل الداخلي على العامل الخارجي، للموروث الأوروبي على الوافد الإسلامي. ثم يعود في المرحلة التالية في الترجمة من اللغات الأوروبية إلى العربية في القرن الماضي، ويؤكد أثر الوافد الأوروبي على الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة، منكرا الإبداع الذاتي ومعطيا الأولوية للوافد على الموروث . ويدل ذلك على المعيار المزدوج في الوعي الأوروبي الذي يطبق به فهم الأثر والتأثر. ولا تهمنا الترجمات اللاتينية والعبرية للنصوص العربية المفقودة؛ لأننا الأولى بها، إنما تدل على طبيعة العمليات الحضارية التي تهم الحضارتين العبرية واللاتينية بالأساس، وتهمنا نحن بالفرع والمقارنة؛ لنعرف ماذا أسقطت هذه الترجمات وماذا أضافت؛ فهي عمليات حضارية سالبة بالنسبة لنا، وموجبة بالنسبة لغيرنا. كما أن تأثير ابن رشد في اللاتين جزء من دراسة الفكر العربي، للتعرف على مصادره، امتداد الحضارة الإسلامية في غيرها من الحضارات، وأثر الإنسان في الآخر؛ فقد صارت مشكلة وحدة العقل الفعال وقدم العالم عند ابن رشد أهم مشكلة في الفلسفة المدرسية.
32
أما أثر ثامسطيوس على الشروح العربية واللاتينية، فهي مشكلة أخرى وهي التراث الغربي، وليس مشكلة التراث القديم، إلا بالمقارنة بين وضع ثامسطيوس عند الشراح المسلمين، وعند الشراح العبرانيين واللاتينيين. (3) البدايات والنهايات الدينية
بالرغم من أن البسملات والحمدلات عادات خارجية صرفة من المترجمين والنساخ بل والقراء، إلا أنها تدلي على البيئة الدينية التي يعيش فيها النص؛ فالعمل الحضاري يتم باسم الله، وإذا تم فالحمد لله. والفكر الجديد ليس طلبا لغزو أو سيطرة؛ فالعزة لله. والله هو الواحد الحق الوهاب. والصلاة على الأنبياء والملائكة، والرحمة على الناسخ أو المترجم أو المعلق. وبعد البسملة الدعوة إلى مزيد من العلم، ففوق كل ذي علم عليم. والمترجمون والنساخ والمعلقون والشراح كلهم مشايخ، وليس فقط رجال الدين؛ فالشيخ هو العالم، لقب يدل على احترام العلماء. وذكر التاريخ الهجري لعام الترجمة أو النسخ، يدل على الوعي الحضاري التاريخي الجديد. وبتحليل مضمون هذه الشعارات الدينية يمكن الكشف عن البواعث الحضارية العامة الجديدة، التي كانت وراء الترجمة والتعليق والشرح؛ مثل الرغبة في المعرفة، والازدياد في العلم، واحترام القدماء، والدعوة بطول الأجل من أجل التعلم والشرح والتلخيص.
33
وقد يتم تخصيص الحمد لله لواهب العقل، فيتم تكييف الجو الديني طبقا للموضوع، كما نقول نحن في عصرنا باسم الشعب، باسم الأمة، باسم الحرية.
34
هذه الافتتاحيات الدينية تدل على الجو الثقافي الديني الجديد العام الذي يتم فيه تبادل النصوص؛ فالنص للاستعمال وليس مجرد نص لا بيئة له. وتوجد هذه الافتتاحيات الإيمانية سواء كان الموضوع إلهيا مثل ما بعد الطبيعة أو النفس أو طبيعيا ومنطقيا،