تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

لا يهم في الترجمة ونشرها دقة معرفة العرب بالتراث اليوناني والعناية التي أحاطوا بها هذه النصوص؛ بحيث تكون لديهم أدق صورة عن الأصل. ليس نقل الأصل هو الغاية بل تمثله واحتواؤه، وتحويله إلى حامل حضاري لعمليات إبداعية تالية.

2

ليس الهدف من نشر الترجمات العربية القديمة هو إظهار إمكانيات الناشر اللغوية كما يفعل الاستشراق، بل بناء الموقف الحضاري كما يفعل الباحث الوطني. وإن ترقيم صفحات النص العربي القديم طبقا لنشرة بيكر الحديثة للنص اليوناني، هو جعل النص اليوناني هو الأصل، حتى ولو كان النص والترقيم المعتمدين؛

3

فليست الغاية إعادة نص أرسطو كتاريخ، بل إبراز النص العربي كحضارة. كما أن الترجمات الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية الحديثة لنص أرسطو هي مجرد ترجمات تاريخية طبق الأصل، وليست عمليات حضارية لنقل النص، وتمثله من أجل إبداع لاحق.

4

وإذا كان الأمر مباراة في المعرفة بالترجمات الحديثة، فأين الترجمات الإيطالية والإسبانية والبرتغالية والروسية والهندية والصينية واليابانية والعبرية، ومدى مطابقتها للأصل اليوناني؟ هذا هو تصور الاستشراق لصلة الأصل اليوناني بالفرع البربري، صلة المركز بالأطراف. وإن تقسيم النص إلى فصول وعناوين طبقا للعناوين الحديثة المقترحة، هو تبعية للنص اليوناني الحديث وللعناوين الحديثة، في حين أن العناوين العربية القديمة أكثر دلالة من حيث تعبير العنوان عن المعنى؛

5

لذلك لم ندخل في دقيقات الاستشراق العلمية، بالرغم من الاستفادة منها، لا ندعي علما فوق علمهم، بل فهما للموقف الحضاري الذي لا يعيشونه.

6

كان نشر الترجمات العربية القديمة يمثل بداية مشروع فلسفي معاصر، وذلك لمعرفة كيفية الانتقال من النقل إلى الإبداع ووصف العمليات الحضارية التي وراء هذا الانتقال، ولكن تم حصر هذه الترجمة كما يفعل المستشرقون، وكأنها غاية في ذاتها، مادة خام في دراسة أو تعليق، إلا على الترجمات القديمة كوثائق تاريخية.

7

ليس الباحث الوطني مستشرقا، بل هو محلل لإحدى تجاربه الماضية في النقل من التراث اليوناني؛ من أجل قراءة تجربته الحالية من التراث الغربي. وعندما يجعل الناشر العربي من نفسه مستشرقا، فإما أن لديه إحساسا بالنقص ورغبة في المساواة بينه وبينهم، وإما أنه ينظر نظرة دونية للتراث الإسلامي باعتباره خليطا من النصوص المترجمة تحتاج إلى فحص وتمحيص؛ وبالتالي يكون نشر العنوان العربي من باحث عربي لنص عربي باللاتينية تقليدا أعمى للمستشرقين أو زهوا، خاصة إذا كان اسم الناشر بالبنط الثقيل والكبير، أكثر من اسم أرسطو ومن عنوان النص.

8

وبالرغم من نشر معظم الترجمات العربية القديمة من قبل في المجلات العربية والأجنبية المتخصصة، إلا أن مجرد تجميعها وإعادة نشرها وجعلها ميسورة للقارئ العربي خدمة جليلة، ولولاه لما أمكن قراءتها من جيل ثان لمعرفة دلالتها الحضارية.

9

بل إن الاختلافات بين النساخ في الخطوط وأنواعها، قد تساعد في الكشف على قيمة المخطوط، ولكنها تدل على حرفية النسخ وممارسته كعبادة؛

10

وبالتالي فإن نقل النص من التاريخ إلى الحضارة، ومن النقل إلى الإبداع لا يعني التخلي عن الدقلة العلمية، بل يعني رفض تصور أن النقل هو مطابقة الأصل للترجمة؛ فهذا مستحيل ذهنيا وحضاريا، فرديا واجتماعيا. ومع ذلك يظهر التعليق في الهامش بعض الأخطاء التاريخية، مثل نسبة الأقوال إلى أصحابها، سواء كانوا حقيقيين تاريخيا أم حضاريا.

11

ولا يهم خطأ الترجمة العربية أو صوابها أو عدم إلفها؛ فلا يوجد مقياس موضوعي لذلك، هناك فقط الدلالات الحضارية للنص الجديد؛ فالنقل يحتوي في داخله على إبداع.

12

هل يجوز إذن إصلاح الاضطراب في المخطوط؟ ولم لا يكون هذا الاضطراب مقصودا نتيجة للعمل الحضاري في النص؟

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٧