13
لا توجد أخطاء في الترجمة بل نقل حضاري لها،
14
وقد يكون الخطأ أكثر دلالة على العمل الحضاري من الصواب. الترجمة الحرفية حتى ولو كانت خاطئة إلا أنها تدل على الحرص على الحفظ؛ فمثلا لفظ
Philomela «محب التفاح» حرفيا، وغناء البلبل معنويا. الأول صحيح لغويا غير دال معنويا، والثاني خطأ لغويا ودال معنويا.
15
ولا يوجد أي اضطراب في الترجمة العربية القديمة، بل توجد محاولة للتحرر من اللفظ لرؤية المعنى؛ لا توجد ترجمة عربية مضطربة، بل هناك بحث عن المعاني لتجاوز اللفظ.
16
لا يوجد فهم مألوف للنص؛ أي فهم حرفي موضوعي له بل تأويل حضاري له؛ لا يوجد فهم للنص صواب أم خطأ بل تأكيد قراءة له، دفاعا عن الأنا في مواجهة الآخر؛ لا يوجد معنى موضوعي للنص بل معنى مقروء فيه من الحاضر إلى الماضي، رؤية الأنا للآخر. لا يهم معنى النص الخاص فذاك لا يعلمه أحد ولا حتى مؤلفه، بل النص كحامل حضاري أعم وأشمل، وكدلالة على موقف حضاري يبين قراءة الأنا للآخر، وإعادة إنتاج نصه، ولا يقدر ذلك إلا من لديه تجربة مماثلة لقراءة الأنا لنصوص الآخر.
17
لا يهم معاني القواميس للألفاظ والمصطلحات؛ أي المعاني اللفظية والتاريخية، بل ما يهم هي المعاني الحضارية التي قد لا تكون في اللغة المترجم فيها، بل في اللغة المترجم إليها؛ فالمعنى للاستعمال الحالي، ولا يوجد في القاموس إلا المعاني الحرفية والتاريخية.
إن أهمية نشر الترجمات العربية القديمة للنصوص اليونانية، خاصة أعمال أرسطو، ورصد الاختلافات بينها، ليس فقط تحري الدقة العلمية، بل جعل النص تاريخا للحضارة وحاملا لمواقفها؛ من أجل إعطاء القارئ امكانية بناء المعنى من الترجمات المختلفة؛
18
فلا توجد ترجمة مثالية واحدة صحيحة يمكن استنباطها وجمعها واستقراؤها من عدة ترجمات؛ هذه الترجمة مجرد افتراض لا وجود له، الهدف منه إيجاد ترجمة مطابقة للأصل اليوناني، وتصحيح خلط الأطراف إلى بالعودة الأصل في المركز. إن كل ترجمة على حدة لها وجود مستقل بذاته تعبر عن رؤية المترجم، ونشأة المصطلح الفلسفي وبداية التفلسف والبحث عن المعنى؛ كل ترجمة كائن حي، شخص معنوي، ولا يمكن من مجموع الأشخاص الحية استنباط شخص مجرد عام لا وجود له. إنها عمليات حضارية تكشف عن إبداعات مستقلة للمترجمين كبدايات للإبداعات الفلسفية الخالصة، لا يمكن إسقاطها أو تجريدها من أجل البحث عن النقل الأصلي، الذي لم يعد له وجود نصي في ذهن المترجمين باعتبارهم مبدعين.
ويرد مرجليوث الخلاف بين الترجمة العربية القديمة لكتاب الشعر والنص اليوناني إلى خطأ المترجم العربي أو السرياني، وأحيانا يرده إلى فساد النص اليوناني الذي نقلت منه الترجمة السريانية؛ فالترجمة لديه نسخة طبق الأصل في النص المترجم،
19
والحقيقة أن السبب لا هذا ولا ذاك، بل طبيعة الموقف الحضاري للمترجم. ويقف مرجليوث أمام كل كلمة عربية ليلاحظ انحرافها عن النص اليوناني. والانحراف حكم قيمة يقوم على أن النص اليوناني هو الأصل والترجمة العربية هي الفرع، وهو قلب للموقف الحضاري، وقد يخلط مترجم آخر، ويضع كتاب الشعر ضمن العلوم النقلية عند المسلمين.
20
وقد يقصد بالنقلية الوافد وليس العلوم النقلية بالمعنى الاصطلاحي وهي القرآن، والحديث، والتفسير، والسيرة، والفقه. يظن المستشرق وغيره من التابعين العرب أن الترجمات العربية القديمة هي ترجمات مطابقة للأصل اليوناني، وأن قيمتها كلما كانت مطابقة له؛ فالترجمة وثيقة تاريخية. وهي نظرة استشراقية تاريخية تكشف عن لا وعي حضاري. العكس هو الصحيح؛ كلما كانت الترجمة العربية مختلفة عن النص اليوناني كان العمل الحضاري فيها أوضح. ليس المقياس هو النقل طبق الأصل، وهو مستحيل في النقل، بل الإبداع أي القراءة؛ فكل ترجمة قراءة. (2) ما الأصل وما الفرع؟