16
لم يكن النقل منذ البداية مستقلا عن الإبداع ، بل كان كلاهما حركتين متوازيتين، لم يبدأ النقل أولا ثم الإبداع ثانيا كمرحلتين آليتين، تتلو إحداهما الأخرى، بل كان النقل منذ البداية إبداع عن طريق نشأة المصطلح الفلسفي والتعليق والشرح والتلخيص الذي يقوم به المترجمون، كما كان النقلة يتعاملون مع المبدعين،
17
وكانوا هم أنفسهم مبدعين، لهم مؤلفاتهم الإبداعية بالإضافة إلى ترجماتهم، ثم استمر النقل حتى تتلمذ النقلة على أيدي المبدعين، بعد أن فاق الإبداع النقل وتجاوزه؛
18
ومن ثم يمكن التمييز بين ثلاث مراحل متداخلة: الأولى أولوية النقل على الإبداع، عندما كان النقل هو الأساس، وكان نقل المصطلح الفلسفي والتعليق والشرح والتلخيص هي نواحي الإبداع القائمة على النقل (حنين). والثانية توازي النقل والإبداع عندما كان المترجمون يؤلفون تأليفا مستقلا، ويبدءون حركة التأليف قبل ظهور المؤلفين الخلص (الكندي). والثالثة أولوية الإبداع على النقل، عندما كثر التأليف على يد مؤلفين غير ناقلين، وكان النقل ملحقا بالإبداع وأحد روافده، فكان التأليف هو الأصل والنقل هو الفرع (ابن سينا).
لم يكن المترجمون مترجمين وشراحا فحسب، بل كانوا أيضا مؤلفين؛ فلا يوجد فصل بين الترجمة والشرح والتأليف، بل هو عمل حضاري واحد متصل،
19
بل كان بعض المترجمين مؤلفين أكثر منهم مترجمين، وكانوا علماء أكثر منهم نقلة، كما هو الحال عند قسطا بن لوقا البعلبكي (220-300ه).
20
ولا يعرض اليونان إلا في رسالتين من ثلاث وعشرين رسالة؛
21
لذلك دخلت مؤلفات المترجمين كأول محاولة في التأليف لتمثل الوافد.
22
وكما كان للمترجمين أعمالهم الإبداعية الخالصة، كان للحكماء المبدعين ترجماتهم؛ فالفصل بين المترجم وبين المؤلف وبين الناقل والمبدع فصل لا وجود له؛ فكما أن يحيى بن عدي وثابت بن قرة وأبو بشر متى بن يونس لهم مؤلفاتهم الإبداعية بالإضافة إلى ترجماتهم، كذلك الكندي له ترجماته المنسوبة إليه، والفارابي له مساهمته في الترجمة بقدر ما له من إبداع؛ فقد شارك في أعمال النسخ والترجمة.
23
كان يحيى النحوي معاصرا للفارابي ودخلا معا في حوار وردود، ولحنين بن إسحاق في موضوع «السماء والعالم» لأرسطو المسائل الست عشرة؛ فالمترجمون شراح، ولا يوجد فصل بين الترجمة والشرح ، ولا فرق بين المترجم والشارح؛ لا فرق بين الشارح المترجم، والشارح المؤلف. وكان المترجمون يشرحون بطريقة ابن رشد في التفسير الكبير، النص أولا ثم التفسير ثانيا، وذكر أرسطو جزئيا في ثنايا الشرح.
24
هذه الترجمات لا تمثل فلسفة كاملة، بل بداية الفكر الفلسفي، نشوء التفلسف وبزوغه، تفكير الذات على تفكير الآخر، هدفها التعرف على إنتاج الآخر، والتعلم منه، مادة للعلم، كراسة فصل. أما العلم فإنه ما تبدعه الذات بعد ذلك في مرحلة الخلق المستقل على مستوى الآخر، وتعبيرا عن منظور أشمل يعبر عن الموروث بلغة الوافد.
| ثانيا: الترجمة وثيقة تاريخية أم عمل حضاري؟
(1) هل الترجمة نظرية في المطابقة؟
ليس النص وثيقة تاريخية يتم الحفاظ عليها طبق الأصل بلا زيادة أو نقصان فهذا نص القرآن. أما النص الحضاري فهو عمل مشترك بين المؤلف والناقل والقارئ والمعلق والشارح، حتى يتم الاستغناء عنه كليا بعد استنفاذ أغراضه، قضمه ومضغه وابتلاعه وهضمه وتمثله وإخراجه. لا يهم النص المنقول كوثيقة تاريخية، بل الذي يهم هو كل تعليق زيادة أو نقصانا، سواء بالنسبة للنص اليوناني أو النص السرياني، سواء كان من المترجم الثاني أو الثالث أو الرابع أو حتى من الناسخ الأول أو الثاني، أو كان من صاحب المخطوط أو قارئه. النص سجل يكشف عن الموقف الحضاري الشامل، الذي يكون النص مجرد حامل له، والزيادة التي يعطيها الناشر الحديث على النص العربي القديم الذي حذفها، إنما هو تشويه للنص القديم كعمل حضاري وليس دقة علمية. تاريخيا النص اليوناني هو الأصل والنص العربي هو الفرع، وحضاريا النص العربي هو الأصل والنص اليوناني أو السرياني هو الفرع.