وفي شرح ثامسطيوس تظهر الإلهيات بصورة أوضح وأكثر انتشارا واتساعا؛ فالله هو ناموس الأشياء (الله والطبيعة). وهو نموذج الحياة الفاضلة (الله والإنسان). وهو حي فعال، حياة أزلية (الله في ذاته)، صفاته على النقيض من صفاتنا. ويظهر في المنطق عن طريق قياس الأولى والأشرف. وهو نوع من البرهان على وجود الله ابتداء من الدليل العقلي؛
12
فالله من خلال الذاتية، هو ما نفعله على نحو أشرف. موضوعيته تنبثق من الذاتية. وتحولت المفارقات إلى البحث عن الأدلة على وجود الله.
ويبدو هذا التصور الديني أيضا في ترجمات الأخلاق العملية مثل «كتاب تدبير المنزل» لدامسطيوس.
13
وهي رسالة تحدد علاقة الرجل علاقة رباعية بما له وخدمه وامرأته وولده، فإذا كان الخالق تبارك وتعالى قد جعل في الإنسان القوى التي يحتاج إليها، إلا أنه جعل فيه نقصا وهو حاجاته إلى الإمكانيات الخارجية. جعل الله له قوى داخلية وخارجية مثل المال؛ فالناس في حاجة إلى النقود في المعاملات؛ ومن ثم إلى اكتسابه وحفظه وإنفاقه والحذر من الجور والعار والدناءة، ولكل وسائله المتعددة. وفي تدبير العبيد والخدم تظهر الشريعة؛ فالعبيد ثلاثة: عبد الرق وعبد الشهوة وعبد الطبع، وقد أوهبت الشريعة عبد الرق. وفي تدبير المرأة يظهر البعد الديني من جديد؛ فقد جعل الخالق تبارك وتعالى الخلق يموتون وفي نفس الوقت يحافظون على بقائهم بالتناسل. ووضع الله في الرجل الطبيعة التي يميل بها إلى الحركة والظهور، والتصرف في منزله. هو القيم على امرأته وهي المطيعة له في التدير والإنجاب. أما تدبير الرجل لولده فبالرياضة للبدن وبالحكمة للعقل، حتى يتأدب الولد في نومه ولبسه وتصرفه مع غيره. ولا ينبغي للصبي الحلف بالله على حق ولا على باطل، ولا أن يضطر الرجل إلى الحلف باليمين، وبالرغم مما في الجماع من قربة إلى الله إلا أنه يكون بعد الزواج وليس قبله. وفضيلة النفس مثل الصبر تجعله قادرا على التحمل حتى ينال المحبة والكرامة من الله والناس.
14
وكما تبدأ الرسالة بالحمدلة والعون تنتهي بالحمدلة والحمد.
15
ويبدو أن هذا التوافق في أخلاق اليونان وأخلاق الإسلام، هو الدافع على الترجمة أو الانتحال، لا يهم صاحبها ما دام مضمونها هو المطلوب. (2) العقائد الدينية
كما يظهر الفكر الديني في صفات الله وأسمائه؛ فالله هو العقيدة الرئيسية التي يصب فيها كل الفكر الإلهي المباشر أو غير المباشر عند اليونان وعند المسلمين، في الوافد والموروث.
16
وتبدأ عملية التمثل والاحتواء للوافد في الموروث ولثقافة الآخر في ثقافة الأنا، كلما ظهر موضوع الله؛ فالكمال في الوافد هو الله في الموروث.
17
وقوة الله بلا نهاية. وكل موضوع يتصف بصفات الله يذكر الله، ويصب فيه مثل اللانهاية.
18
وإدراك أن المحرك الأول موضوع شريف يستحق الطلب البرهاني، هو إدراك من الحضارة الجديدة لموضوعات الحضارة القديمة.
19
وهو تصور يعبر عن الإيمان العقلي القديم على مستوى الحضارة اليونانية، ثم دخل بعد تمثله واحتوائه كبيئة عقلية، أضيف في البيئة الحضارية الجديدة الأوسع والأكثر شمولا. هو تصور يعبر عن إحدى محاولات التنزيه العقلي. ولما كان التنزيه العقلي تشبيه مقلوب، فلا غرابة من قبوله. وبالرغم من أن المقالة الثامنة كلها عن المحرك الأول الذي لا يتحرك، وعن الأدلة على إثباته وضرورته وقدمه، إلا أنه لم يتم احتواؤها دينيا، وتم الاكتفاء بالإيمان العقلي.
ويظهر موضوع المحرك والمحرك الأول في آخر الطبيعيات، وهو أشبه بموضوعات ما بعد الطبيعة، مما يدل على أنهما علم واحد. في الطبيعيات الحركة هي الموضوع الغالب، كما أن المكان غلب على الزمان. والمقالتان السابعة والثامنة عن المحرك الأول، وتقدم العالم وهي موضوعات الإلهيات.