وبالرغم من ندرة النقل الحضاري في شرح ثامسطيوس لكتاب النفس لأرسطو ترجمة حنين بن إسحاق، إلا أن الاحتواء الديني ظاهر في وصف الله تعالى، بالرغم من سهولة التعشيق بين النصين اليوناني والعربي.
20
في رأي طاليس أن الأشياء كلها مملوءة من الله، وهو رأي القائلين إن مسالك الناس كلها وجميع محافلهم مملوءة من الله، وهو رأي زينون أن الله ناشب في كل جوهر، وهو رأي الصوفية. والطبائع الأشد إلهية خليق أن يكون العقل فيها خلوا من القوى النباتية والحيوانية. ويقال إن الشيء الذي من قبله يفعل هو الأمر الإلهي، جعلته الطبيعة مثالا للإرادة الإلهية؛ فالطبيعة إلهية، والأجسام إلهية؛ فالله بجهة ما هو الموجودات أنفسها. هناك شيء إلهي وشيء فاعل غير منفعل. لا يعني ذلك أن العقل الفعال هو الله؛ لأن العقل الإلهي غير منفعل، وإلا كان هناك إله أول. إنما العقل إلهي مفارق، ويأخذ أفلاطون لقب الإلهي. كما تظهر العبارات الإيمانية مثل الحمدلة في نهاية المقالتين، الأولى والثانية، والبسملة والصلوات في أول الثانية.
21
وقد يمثل الشعراء هوميروس وأرفيوس وهزيود العلم الإلهي عند اليونان، ويقوم الشعراء بدور الآلهة، ويكون شعرهم الحكمة الإلهية، وتكون الحكمة هي انتقال من عصر الآلهة إلى عصر الأبطال، كما لاحظ فيكو فيما بعد.
22
الشاعر أوميروس مصدر معلومات مثل الفلاسفة حتى في الموضوعات العلمية.
23
ويظهر الفكر الديني بوضوح في أهم قضاياه مثل الخلق، خلق الطبيعة؛
24
فحركة الاجسام الطبيعية إلى أسفل وليس إلى أعلى، ناتجة من الترتيب الوضعي لها؛ لأن الله جعل وضع الأرض في الوسط، حركة الأجسام إذن طبيعية بناء على وضع الله لها، وإن لم يكن هناك مصطلح الخلق.
25
الطبيعيات الوافدة لا تضع الله عاملا فيها. ويأتي التعليق فيدخل الله عاملا في حركة الطبيعة. وهذا هو نموذج احتواء الموروث للوافد من خلال التعليق والشرح قبل التأليف؛ لذلك أعجب الحكماء بضرورة حركة الأجرام البسيطة نحو الأعلى والأسفل،
26
بل إن ترجمة كتاب الآثار العلوية ثم التعبير عن مضمونه، بأنه يشمل حديث الآثار العلوية في العلو والسفل، ويشرح المترجم بأن هاتين الحركتين، العلو السفل بتدبير من الله سبحانه وتعالى.
27
ويكون السؤال: هل اختيار ترجمة الآثار العلوية وشرحه بتوجيه القرآن في حديثه عن السماء والرياح والأنهار والأرض والكواكب، ووصف الآثار العلوية والسماء؟ هل هذا العالم، الآثار العلوية والسماء، عالم وسط بين تناهي الطبيعة ولا تناهي ما بعد الطبيعة فتفنى أم إلى ما بعد الطبيعة فتبقى، ودوران السماء هو ذاته جمع بين التناهي واللاتناهي؟ ألا يعني إنكار الخلاء أن الله في كل مكان، وأنه لا يوجد شيء خارج السماء، وأنه لا يوجد شيء لا يحيط به الله ويسيطر عليه، وإذا كانت حركة ما تحت القمر مستقيمة وما فوق فلك القمر دائرية، والثانية أشرف من الأولى، أليس هذا تصورا دينيا لعلاقة العالم بالله؟ وإن اختيار الأثير مادة اللاتناهي والحركة الدائرية كعنصر خامس أشرف من العناصر الأربعة التي منها يتكون العالم الأرضي. والسماء كروية أو فلكية، والأفلاك متداخلة ذات مركز واحد، ألا يدل ذلك على صورة اللاتناهي في مقابل كروية الأرض؟ إن كتاب «الآثار العلوية» تال لكتابي «الطبيعة» و«ما بعد الطبيعة»؛ أي إنه محاولة للربط بين العلمين بطريقة طبيعية وميتافيزيقية معا، كما أن النفس هو الرباط بطريقة إنسانية. وهو من الموضوعات العلمية التي يمكن مراجعتها علميا؛ لأنها موضوعات مرئية يمكن ملاحظتها وتجربتها. ولا يوجد تعليق على الآثار العلوية إلا بعلم لا بدين أو فلسفة. وهو في حد ذاته رؤية حضارية؛ فالعلم أحد مكونات الدين وبواعثه وأسسه.
وفي مرحلة الاحتواء يتم رفض كل ما لا يتفق مع العقيدة مثل البخت والمصادفة؛ نظرا لتعارض ذلك مع الإرادة والاختيار في الإنسان، ومع القانون والنظام في الطبيعة