Aristoxenus
الذي كان ينكر كل ما هو مفارق؛ فالروح اسم خاو من كل معنى، والطبيعة قادرة على تفسير كل شيء. والسؤال هو: هل التفسير الطبيعي للروح بعيد عن روح الحضارة الجديدة، وهو التفسير الذي شاع عند أصحاب الطبائع من المتكلمين؟
5
وقد يكون أكثر مؤلفات أرسطو خصوبة للتمثل والاحتواء وإعادة الإنتاج هو كتاب «ما بعد الطبيعة» خاصة حرف اللام، وهو الفصل السادس.
6
والسؤال: أين الباقي؟ هل كانت موضوعاته أقرب إلى الطبيعة منها إلى ما بعد الطبيعة، وبالتالي فهي مكررة ومن ثم لم تعد جديدة؟ أم إنها ضاعت بالفعل بعد ترجمة الكتاب كله؟ يقسم حرف اللام الجواهر إلى ثلاثة: اثنان طبيعيان، وواحد غير متحرك. وهي قسمة تطابق الشعور الديني والتقابل بين المخلوق والخالق؛ وبالتالي تكون القسمة مقدمة للإلهيات. والإشارة إلى الإلهيات صريحة في نص أرسطو؛
7
فالله عقل إلهي، أسمى عن عقولنا. وهو بنفسه لذيذ فاضل، عاقل، لذاته حياة أزلية فاضلة. وهو أعلى مراتب الشرف وأولى بالكمال، كما هو الحال في وصف الوعي الخالص في علم أصول الدين وفي علوم الحكمة.
8
حتى الناشر الحديث اضطر إلى اللجوء إلى البنية الدينية بالحديث عن أن العقل والعاقل والمعقول واحد بالنسبة إلى الألوهية، وبوصف الله بأنه الخير الأسمى؛
9
فالإيمان الفلسفي اليوناني يسهل احتواؤه داخل التصور الفلسفي؛ فالفلسفة هي الرابط بين الاثنين. العقل الأول عند اليونان هو الله، مبدأ جميع الأشياء، غاية الكمال والتمام، لا يحتاج إلى غيره، علم محض.
10
هذا هو تأليه اليونان العقلي الذي أمكن احتواؤه داخل التأليه الإسلامي، عن طريق العقل المشترك بين الحضارتين، في تصور فلسفي ثنائي بين الزائد والناقص، تلك الثنائية العقلية التي تعبر عن الإيمان العقلي للقدماء قبل الوحي عند اليونان وبعده عند المسلمين. وهو الإيمان الذي استمر إبان العصور الحديثة الأوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ولم يتغير إلا في القرن التاسع عشر في ثنائية أخرى أفقية رأسية، ثنائية الإنسان والطبيعة عند فيورباخ لتجاوز الثنائية العقلانية الحديثة، التي هي تبرير للثنائية الإيمانية القديمة في العصر الوسيط.
وفي شرح ثامسطيوس لحرف اللام من كتاب ما بعد الطبيعة، يظهر الإيمان العقلي اليوناني وإسقاط الأمثلة اليونانية القائمة على التشبيه وزيادة التنزيه العقلي. وذكر الله صراحة. الله هو نموذج الحياة الفاضلة والإنسان الكامل ولقانون الطبيعة. الله مبدأ عقلي، ومبدأ خلقي، وقانون الطبيعة. الله صفة خلقية. وكان من السهل بعد ذلك احتواء المسلمين لأرسطو بهذا الشرح الإيماني لثامسطيوس؛ فأرسطو ترك الميتافيزيقا مجرد فلسفة عقلية حولها ثامسطيوس إلى إيمان فلسفي قبل المسلمين. يركز ثامسطيوس على الجوهر الأزلي من الجواهر الثلاثة، وترك الجوهرين الطبيعيين؛ فهذا نقل طبيعي للنص من مستوى الطبيعة إلى مستوى ما بعد الطبيعة، ممهدا للنقل الحضاري الجديد بالحديث عن الجوهر المفارق، لمن يستعمله بعد ذلك في الموضوع الديني الأول. ولا يهم من صاحبه، بل المهم تحقيق الغاية من شرح ثامسطيوس والتركيز على الجوهر الأزلي. هناك فرق بين الوثيقة التاريخية والحامل الحضاري؛ فالانتقال من الجوهر الثالث الأزلي إلى الحديث عن الله انتقال طبيعي، لا يهم من صاحب هذه النقلة. وفي شرح ثامسطيوس هناك انتقال من النص إلى الشرح، من النص الأرسطي إلى إعادة انتاجه من جديد، من النقل إلى الإبداع.
11
ولا يقتصر ثامسطيوس فقط على شرح النص، بل يضع نفسه في إطار التاريخ بعد السابقين عليه وقبل اللاحقين له. ولا يقتصر الناسخ على ذكر شرح ثامسطيوس، بل يضيف عليه نصوصا أخرى في نفس الموضوع من كتب أخرى، مثل السماع الطبيعي ترجمة الشيخ أبي زكريا يحيى بن عدي.