تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وشرعيا يمكن القول إنه لا يوجد مانع من أن يكون أرسطو نبيا لليونان مثل سقراط وأفلاطون؛ فما من أمة خلا فيها نذير، ولم يذكر القرآن إلا الأنبياء الذين كانوا في المخزون النفسي عند العرب في شبه الجزيرة العربية

منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص . وحال سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وفيثاغورس عند اليونان مثل حال بوذا في الهند وزرادشت وماني في فارس، ولاوتسي وكونفوشيوس ومنشيوس في الصين، إلا أنه لا نبي بعد محمد آخر الأنبياء، والحكماء ورثة الأنبياء.

ومع ذلك الجو الديني للمعلق أكثر عمقا واتساعا من الجو الديني للمترجم؛ لأن مهمة الشارح أكثر عمقا حضاريا من مهمة المترجم. المترجم ناقل علم، والشارح ممهد ومبين له من أجل احتوائه؛ ففي الحديث عن السماء يلاحظ أن جميع الأولين صيروها موضعا لله؛ فالترجمة هنا نقل للمعنى من حضارة إلى حضارة، ووضع للوافد في الموروث؛ فالسماء في الدين العقلي تعادل الله في دين الوحي ؛ نظرا للاتناهي وعدم الفساد كصفات مشتركة بين السماء والله.

3

وإذا ألف أرسطو كتاب «في السماء» فإنه يضاف إليه في الترجمة العربية، وقبل ذلك عند الشراح اليونان «في العالم» ويصبح «في السماء والعالم»؛ لأنه لا يمكن تصور السماء دون العالم، والأعلى دون الأدنى، والسماء دون الأرض. هل تابع المسلمون الشراح اليونان أم ألحقوا العالم بالسماء بناء على دوافع دينية خاصة؟ السماء هو الذي ربط بين الطبيعة وما بعد الطبيعة، عالم متوسط بين العالم والله، وموضوعاته تتراوح بين الطبيعيات والإلهيات؛ فالمقالة الأولى تتحدث عن العالم والعنصر الخامس والحركة وإبطال اللامتناهي ووحدة السماء وأنها غير مكونة، وأن إثبات اللاتناهي من أجل إثبات الكون والفساد. والمقالة الثانية عن حركات الأجرام والأفلاك والكواكب والأرض، وهو موضوع طبيعي تكثر الإشارة إليه في النص الديني للحضارة المترجم إليها. وموضوع الثالثة الأسطقسات بين الطبيعة والآثار العلوية. وموضوع الرابعة الثقيل والخفيف، وهي ثنائية مثالية بين الهبوط والصعود في الأجسام كدليل على التنزيل والتأويل.

في الموضوع الديني تكثر التعاليق؛ لأنه موضوع خصب ودال، ولا يكون بالضرورة موضوعا دينيا مباشرا، بل موضوعا دينيا من دين العقل والطبيعة. وهو الدين الوافد الذي يتم التعليق عليه؛ أي احتواؤه من دين الوحي الذي يقوم هو نفسه على العقل والطبيعة؛ فإبطال اللامتناهي بالنسبة للعناصر معقول؛ لأن الله وحده هو اللامتناهي. يحتوي الموروث بسهولة مثل هذا النص؛ لأنه متفق معه ويمكنه بعد ذلك من إثبات لا تناهي الله؛ فالإيمان العقلي الطبيعي عند اليونان يجد بعدا جديدا له في الوحي، كما أن الوحي تأسيس له في العقل والطبيعة،

4

وكذلك موضوع النفس موضوع مركزي في الحضارة المنقول إليها. والنص المنقول بسيط لا يتطلب في حد ذاته كل هذه الضجة حوله، وأثره في رؤية المسلمين للنفس، والقرآن قد ذكر النفس مئات المرات (295 مرة)، نصوصه مملوءة بآراء وأفكار أعمق وأوضح وأدل من النصوص المنقولة. وليس من المعقول أن يحدث كل هذا الصراع حول العقل الفعال بسبب عبارة بسيطة وردت عرضا عند أرسطو «ولست أقول إنه مرة يفعل ومرة لا يفعل ، بل هو بعدما فارقه على حال ما كان وبذلك صار روحانيا غير ميت.» وهذا يعني أن النفس حية. إنما المهم إيجاد الدال وترك غير الدال؛ فالحضارة الجديدة هي التي تفرض تفسيرها وقراءتها على الآخر من أجل الاحتواء؛ نظرا لأن الحضارة دينية ولا تهتم أساسا إلا بالمفارقة أي الخلود. مهمة الشرح رد الاعتبار لأرسطو، وإعادة الاتزان له، وإخراج نتائج عدة من المفارقة مثل الأخرويات والحساب، الثواب والعقاب، وهي موضوعات السمعيات، واستنتاج نتائج أخرى بالنسبة لإثبات وجود الله، وهو الموضوع العقلي. هذه العبارة ليست أحد الدوافع الرئيسية عند الفارابي في الجمع بين رأيي الحكيمين؛ لأن موقف الفارابي كلي وشامل في الجمع بين المثال والواقع، وأكبر من أن تحدثه عبارة قالها أرسطو عرضا. هذا الاتجاه في الشرح نحو المفارق كان على عكس أرستوكسينوس

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٦٦