فاطر السموات والأرض .
وهي تشبه قصة حي بن يقظان في موضوعها وشخصياتها. موضوعها الحقيقة التي يمكن الوصول إليها عن طريق الدين الطبيعي أو عن طريق النبوة. وكلاهما ممثلان في البوذية دين الطبيعة ودين الوحي الباطن، ليس دين الوثنية الذي يقوم على التجسيم والتشبيه، بل دين الطبيعة الحية الجمالية، وليس دين الوحي الخارجي عن طريق الرسول والملاك والإبلاغ، والكلام والقول والكتاب المدون والصحف والألواح، والشعائر والطقوس والأماكن والأزمنة المقدسة. و«البد» هي الشخصية الرابعة من شخصيات الرواية من حيث الأهمية.
29
الدين الحق هو الإيمان بالله والعمل الصالح، هو الإسلام والبوذية والحكمة الخالدة. وأحسن العلم هو معرفة الله عز وجل والعمل بالخير. جماع الدين شيئان: أحدهما معرفة الله عز وجل والآخر العمل برضاه، ويتم التركيز على ذلك في نهاية القصة وظهور الملاك حاملا رسالة الله «لا ينال ملكوت السماء أحد ولا يدخلها إلا بعد العلم والإيمان وتمام عمل الخير.»
30
الحق مع أنبياء الله عز وجل ورسله عليهم السلام في القرون الماضية على ألسنة متفرقة. لكل دعوة سبيلها وأمرها، والكل صحيح وقويم. الحق واحد والسبل إليه مختلفة عن طريق الأنبياء والحكماء. والحكمة في تقطع الأنبياء وتواليهم في الزمان، لتطور البشر كالبستان في الفصول الأربعة وفي مواسم الزرع كالربيع والخريف للزهر والثمان. يؤمن بهم البعض ويصدهم البعض الآخر ويعادونهم. يأتون بكلام من الله وليس من الناس، يعجزون عن تقليده مثل إعجاز القرآن، ويرسل به ملائكته مثل جبريل، هو حكمة الله على لسان الأنبياء.
31
وتم تعشيق البوذية مع الإسلام في الزهد في الدنيا، وحياة النسل، والخلاص من قيود البدن، والتحرر إلى عالم الروح، والسيطرة على الانفعالات وأهواء النفس؛ فالآخرة وجود والدنيا عدم طبقا لجدل الوجود والعدم في البوذية؛ فالقصة نموذج لأدب الصوفية عن الزهد في الدنيا والسعي نحو الآخرة، مثل «رسالة الطير» لابن سينا. يتم الخلاص عن طريق ترك الأهل والولد كما فعل بوذا في الهند، وكما فعل إبراهيم بن أدهم في البصرة؛ كلاهما ملك أو أمير تركا ملك الدنيا لامتلاك الآخرة «الزهد في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة». وإن طعام الدنيا هو طعام المضطر المستثقل، ثم تنكشف الحقيقة نور ساطع وهدى مستقيم ناقض على أهل الدنيا أعمالهم ولذاتهم وشهواتهم «فالحق من عند الله بدعاء العباد إليه.» وفي نهاية القصة يرسل الله ملاكا من السماء لإبلاغ بوذاسف الدين الحق، نور الأنفس والعقول. وهو دين الأنبياء الذي أنزله على الرسل في القرون الأولى، لتخليص الأنفس من عذاب القبر ونار جهنم. وهنا تظهر العقدة التي تربط الإسلام بالبوذية وتجعلهما دينا واحدا، فالإسلام هو الجامع بين حكمة اليونان وتصوف الهند، بين حكمة الغرب وحكمة الشرق، الحكمة الخالدة. وتنتهي القصة بجمع الملك قومه، ودعاهم إلى دين الله فأجابوه. وأبطل الأوثان، وجعل بيوتها مساجد يذكر فيها اسم الله، وتطبيق أمره في جماعة الناس باللين والرحمة، وظهور البرهان، ثلاثون ألف ناسك، رجلا وامرأة.
32
وتدل بعض عباراتها على البيئة الإسلامية الشيعية التي ظهرت فيها؛ فقد أشار إلى الترجمة العربية المتكلم الإمامي ابن بابويه (381ه). وظهرت صياغة أخرى أطول عند الإسماعيلية في اليمن والهند، وهي الصياغة التي تم تحقيقها، تمتلئ بثنائية الخير والشر، الظاهر والباطن، دين الله ودين الشيطان.
33
وتظهر بعض عقائد الشيعة مثل التركيز على أئمة الدين رحمة الله عليهم، وسنتهم في بلوغ الغاية والاطلاع على النيات والضمير، والمداواة للقلوب بالأدوية الراسخة فيها، وتعريف المستوقر على بوذاسف أنه الإمام بعون الله وعميد أوليائه. ودعا له بأن يغفر الله ذنبه، ويحط عنه وزره، ويطلق يده، نموذج الإمام الحازم العادل الذي يسوس العوام. والإمام المصلح المستقيم حسن الحال هو إمام الهدى. وتعلن نسيفة غياب الإمام وأن الإمام ليس بحاضر. وتظهر بعض ألقاب الأئمة مثل ولي الله. وقد أعلن راكس الساحر المنجم أن بوذاسف هو إمام البشر. وفي نهاية القصة يرسل الله تبارك وتعالى ملكا من الملائكة إلى بوذاسف، وهو لأمر الله عز وجل متبع، ولوصيته متفهم، وهي من ألفاظ الشيعة. وخرج بوذاسف سائما يستقرئ مدن الهند، داعيا إلى دين الله، تصحبه أربعة من الملائكة ليؤنسوه ويثبتوه حتى تعرج به إلى السماء، فعاين الغيب، وسمع الوحي من الملأ الأعلى ثم أعيد إلى الأرض كرسل الله الخالية، وانتهى أجله في كشمير. وأوصى تلميذه أبابيد الذي أحسن البيعة، وجمع رعية الإسلام المتبددة، حين دنا ارتفاعه من الدنيا.