تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويخضع الملحق لنفس المنطق، الحكم على الحذف والإضافة والتأويل بأنه تحريف، وخطأ يحتاج إلى تصويب وتصحيح. والحذف أقل من الإضافة يحتاج إلى إكمال من النص اللاتيني، حتى تطابق الترجمة النص المنقول عنه طبقا لعلاقة الفرع بالأصل. وقد اختصر ابن خلدون بعض الفصول اختصارا شديدا، وكأنه كان لزاما عليه النقل حذو القذة بالقذة،

21

ولكن الإضافة هي الأغلب وكأنها خطأ لا بد من تصويبه، وتحريف لا بد من تصحيحه، وليس تحولا من النقل إلى الإبداع؛ فالإضافة تسمى زيادة غير موجودة في الأصل اللاتيني ما كان يجب أن توجد، فإذا ما وجد فإنه شيء غريب يسترعي الانتباه؛ لأنه ما كان يجب أن يوجد. أما التأويل من أجل التأثير بالأرقام، فإنه خلط وتزييف، وكأن مهمة الناشر هو تلمس الأخطاء وتسقطها، من أجل إعلاء الأصل على الفرع. إن ابن خلدون يشير إلى مصادره الأخرى مثل ابن عباس والطبري والمسعودي.

22

وتظهر الإيمانيات عند ابن خلدون مثل ظهورها عند المترجم مثل الله أعلم، آدم صلوات الله عليه، الله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك.

23 (2) الترجمة الهندية

ومن الوافد الشرقي، من الهند، تمت ترجمة كتاب «بلوهر وبوذاسف» وهي الترجمة الوحيدة من التراث الهندي في الفلسفة، بالإضافة إلى كليلة ودمنة عن الترجمة الفارسية للأصل الهندي، كما ترجمت الفلسفة اليونانية عن الترجمة السريانية؛ فالثقافة الهندية مرت من الشرق إلى الغرب، من الهند إلى العرب عبر فارس.

24

مترجمها غير معروف، وهي قصة وعظ وأمثال كما يدل على ذلك العنوان «قصة بلوهر وبوذاسف في الوعظ والأمثال». غايتها التأهيل الأخلاقي عن طريق النسك، والإعداد الصوفي عن طريق التوجه إلى الآخرة، تحولا من التاريخ إلى المثال، ومن الواقع إلى الخيال. وقد ازدهرت القصة في البيئة المسيحية الشرقية والغربية في رواية بارلام ويواسف، وبصياغات ولغات متعددة عربية وعبرية وفارسية وجيورجية ويونانية.

25

أسلوبها الحوار، مثل محاورات أفلاطون. أحيانا يكون قصيرا متبادلا بين بلوهر وبوذاسف، وأحيانا يكون طويلا أقرب إلى المونولوج الطويل لإيصال الرسالة والإعلان عن الكشف؛ فالحقيقة لا يمكن إخفاؤها ومنع ظهورها. وهي أقرب إلى الرواية منها إلى القصة؛ نظرا لطولها وتعدد شخصياتها وتداخل أجزائها، على عكس بساطة القصة وصغرها. والأسلوب عربي فصيح أقرب إلى التأليف منه إلى الترجمة.

26

ولا يذكر اليونان على الإطلاق، ويشار إلى نظرية الأخلاط الأربعة، وكأنها جزء من الثقافة الهندية الموروثة وليست اليونانية الوافدة؛ فالصحة من الأخلاط الأربعة، وأقربها من الحياة الدم.

27

وتضم سبع عشرة شخصية: أولها بلوهر الحكيم أو الشيخ، وثانيها بوذاسف طالب الحكمة أو الباحث عن الحقيقة أو المريد، وثالثها الملك جنيسر والد بوذاسف، ورابعها البد نبي الهند، وخامسها راكس المنجم الساحر، وسادسها المستوقر وزير الملك ومحاوره، وسابعها فلنطين بن تلدين والد جنيسر وجد بوذاسف، وثامنها البهون السائح من عبدة الأوثان، وتاسعها العنقاء التي حملت جثة بد إلى فراخها فامتلأت حكمة، وعاشرها كاسد ملك نسيفة الذي لقي نفس مصير جينسر وابنه؛ فالحقيقة تتكرر في أكثر من موقع، ثم قنطس زعيم أتباع البد، ثم فاطر وطاطر الكاهنان، ثم شبلين بن بيسم من أعدل ملوك الهند سيرة وأفضلهم حكمة، ثم تلدين بن شبهين المستطار من ملكه أربع عشرة سنة، ثم كهرريج صاحب البد ثم أبابيد تلميذ بوذاسف، وسمطا عم بوذاسف وشامل ابنه، وقادم الطير الذي يبيض بيضا كثيرا ويفرقه في أعششة الطيور، خوفا من أمواج البحر، وتظهر بعض الشخصيات النسائية دون أسماء لها، الأنسيفة وهما أشبه بنفيسة.

28

وقد يكون للأسماء دلالة رمزية مثل «حي بن يقظان» الحياة بنت اليقظة، أو اليقظة جوهر الحياة، الحياة حياة الوعي والعقل والتأمل. وربما يكشف الاشتقاق الهندي للألفاظ عن دلالاتها على الرواية. ونفس الشيء بالنسبة لدلالات الأماكن اشتقاقا أو دلالة مثل سرنديب وكشمير؛ حيث تذكر الروايات أنها مكان هبوط آدم، أول من سكن الأرض وبحث عن الحكمة وأتته النبوة. وأبعد من ذلك المستوقر الذي يشبه المستودع، وهو من ألقاب الشيعة وفاطر

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٦٣