تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البحث إذن عن «التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية» خطأ في الوعي بالموقف الحضاري؛ فليس المطلوب هو معرفة انتقال التراث اليوناني إلى العالم الإسلامي، انتقالا للمركز إلى الطرف، ومن الأصل إلى الفرع، كما يفعل المستشرقون وأتباعهم من الباحثين العرب، بل تمثل الحضارة الإسلامية للتراث اليوناني، تمثل المركز الإسلامي للطرف اليوناني.

11

وبالتالي كانت العناوين مثل «أرسطو عند العرب»، «أفلوطين عند العرب»، «الأفلاطونية المحدثة عند العرب» توحي بأن الأصل هو الوافد والفرع هو الموروث، والأصل هو الذي يجب المحافظة عليه في الفرع، وهو وضع مغلوط؛ فالأصل هو الموروث والفرع هو الوافد. ليس العرب أي المسلمون مجرد نقلة مستقبلين، بل النقل لديهم نقل الأطراف إلى المركز، الطرف اليوناني إلى القلب الإسلامي وليس إشعاع المركز اليوناني في الأطراف الإسلامية. أرسطو وأفلاطون وأفلوطين هم أقرب إلى المنبه، والترجمة والتمثيل والاحتواء ثم التأليف والإبداع هي الاستجابة.

12

والدوافع على الترجمة ليست نقل النص المترجم، بل إثراء الثقافة المترجم إليها نظرا للاتفاق النسبي بين الرؤيتين؛ فقد أقام أرسطو طبيعته على مبدأين: الأول أن الطبيعة لا تصنع شيئا عبثا، بل دائما تفعل من أجل غاية، وهو ما يتفق مع وصف الطبيعيات في القرآن

ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ، والثاني أن الوظيفة تخلق العضو وليس العكس، والنظرة الوظيفية أيضا تعبر عن روح القرآن في عدة آيات

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ،

13

الطبيعة واسعة الحيلة، محدثة النظام ، صانعة فاعلة، لها قصد وغاية تريدها وتنظر إليها، وهي غاية باطنة، وتعني الأجزاء الأعضاء، وتقوم علاقاتها على التشابه وعدم التشابه، والوصف من أعلى إلى أدنى، من الأكثر كمالا إلى الأقل كمالا، ومن الأقل نقصا إلى الأكثر نقصا طبقا للتطور الرأسي للعالم، الفيض الطبيعي، فإذا ما اصطدم هذا التصور بالنص المترجم، تم تعديل الترجمة وتصبح تأليفا غير مباشر، فإذا قال أرسطو بامتياز الإنسان على سائر الحيوانات بالرغم الشركة بينهما فيما هو إلهي تصرف المترجم؛ فالإنسان لا يشارك الحيوان فيما هو إلهي، وأسقط الشركة مع الله لاعتبارات الوحيد.

لم يكن الدافع على النقل دافعا نظريا خالصا، مجرد حب الاستطلاع والتعرف على ثقافات الشعوب المغلوبة، بل كان أولا دافعا عمليا لنقل علوم الطب لمداواة الجند في مجتمع الفتح، وعلوم الكيمياء لصناعة السلاح في مجتمع الشريعة الجديدة. ولقد استطاع الشراح المسلمون فهم هذا الفكر، وهم أصحاب الدين والعقيدة، وهم أميون مسبقا وليس لهم رصيد سابق، كشفوا عن ولع بالحضارة واحترام لفكر الآخرين، بالرغم من خطورة الغزو الثقافي الطبيعي أثناء انتشار الحضارات. (3) المترجمون مؤلفون

وقد بدأت الترجمة في النصف الثاني من القرن الهجري، وبلغت الذروة في القرن الثالث، عصر كبار المترجمين، واستمرت حتى القرن الرابع ولم تتوقف حتى السادس والسابع، ثم تحولت حركة الترجمة إلى حركة شرح وتلخيص في القرنين الخامس والسادس، بل وحتى السابع. كانت الترجمة إذن مواكبة لحركة التأليف، تمدها بالوافد الجديد، وبالمادة الخصبة حتى يزدهر التأليف بدم جديد.

14

ولم يكن المترجمون مجرد نقلة بل كانوا معلقين وشراحا وملخصين. وكانوا مؤلفين لهم إبداعاتهم الخاصة، وكانوا يتتلمذون على الفلاسفة، ينقلون عنهم ولا يتتلمذ الفلاسفة عليهم ينقلون منهم؛ كانت لهم مذاهبهم التي ينتسبون إليها.

15

وكان الشرح أحيانا يسبق الترجمة، وكان الشارح أستاذا للمترجم، والمترجم يتعلم من الشارح؛ فالمعنى يسبق اللفظ، والفكر يسبق النقل؛ هذه كانت صورتهم داخل الحضارة الإسلامية، بدليل الرد عليهم وتفنيد آرائهم. كان السريان مؤلفين كما كانوا مترجمين، وكما حدث لأبي نصر وباقي الفلاسفة المسلمين.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٥