41
ويوصف الله في بعض المخطوطات بأنه تبارك وتعالى، جل ثناؤه، سواء من المترجم أو الناسخ؛ مما يكشف علما أن الترجمة نقل حضاري، من بيئة ثقافية إلى بيئة ثقافية أخرى.
42
| حادى عشر: الترجمات اللاطينية والهندية
(1) الترجمة اللاطينية
لم تقتصر الترجمات عن اليونانية فحسب بل كانت أيضا عن اللاطينية؛
1
وفي المغرب والأندلس أيضا، وليس فقط في المشرق في الشام عن السريانية وفي بغداد عن اليونانية،؛ وإلى وقت متأخر، القرن الرابع الهجري، وليس فقط في العصور المتقدمة؛ وفي التاريخ، وليس فقط في الطب والفلك وعلوم الحكمة. والنص الوحيد الممثل لذلك هو «تاريخ العالم» لأوروسيوس،
2
وهو قس من القرن الرابع الهجري في الأندلس لإكمال «مدينة الله» للقديس أوغسطين. والعنوان الدقيق «التواريخ ضد الوثنيين» ليبرئ به المسيحيين مما حل من تدمير روما على ألاريك في 410م. وقد تمت الترجمة عن اللاطينية في عهد الحكم الثاني المستنصر بالله. وقد تعاون المسلمون والنصارى على نشر العلم في الأندلس أثناء الحكمين الإسلامي والمسيحي في طليطلة. لم يتحرج المسلمون من ترجمة النصوص التاريخية المسيحية ضد الوثنيين، وبما بها من حديث عن تعدد الآلهة في «مدينة الأرض»، وتجسد السيد المسيح في مدينة السماء دون خوف من التبشير، بل ودفاعا عن المسيحية ضد الوثنية، وعدم التحرج من ترجمة الأساطير دون نقدها.
3
ولا توجد حساسية خاصة بالحديث عن المسيحية أو المجوس. وتبدو وطنية المؤلف في الدفاع عن الأندلسيين ومدح أخلاقهم؛ لأنه أندلسي على عكس أوغسطين وهجومه على مواطنيه في شمال أفريقيا وتبعيته لروما. وقد يكون هذا الدافع الوطني أحد أسباب الترجمة دفاعا عن الأندلس في عصر ملوك الطوائف.
4
فهل الكتاب على هذا النحو يخدم الغاية التي طلبها أوغسطين، لتبرئة المسيحية بالهجوم على الوثنية استكمالا لمدينة الله، أم إن المقصود بيان حروب الوثنيين وقسوتهم، حتى تصح الأخلاق المسيحية عن طريق برهان الخلف؟ وهل رفض المترجم العربي التوجه الدلالي للكتاب، وفصل الجسد عن الروح من أجل تركيب دلالة أخرى عليه؟ قد يكون المترجم أكثر وعيا من المؤلف وأكثر حرية في إعادة توظيف النص وإخراجه من بيئته الأولى إلى بيئة ثانية؛ فهو يعيد كتابة النص، ولا يترجمه ترجمة حرفية، كما تفعل الترجمات هذه الأيام، اعتمادا على القواميس والمعاجم ودوائر المعارف، كي تكون مطابقة للأصل.
ويتضح من الترجمة التحول من مركزية الرومان في الأصل المترجم إلى مركزية المسلمين في النص الجديد؛ فالترجمة علاقة قوى. وكان من السهل القيام بهذا التحول نظرا لحضور الشرق، آسيا وأفريقيا، إلى مركز آخر بديلا عن المركز الروماني، من شمال البحر المتوسط إلى جنوبه، على عكس أوغسطين الذي أراد الإبقاء على مركزية الشمال روما مع أنه من أهل الجنوب، شمال أفريقيا. تحضر الهند وفارس في النص الأول أطرافا لروما، وفي النص الثاني جناحا شرقيا للعالم الإسلامي، والجغرافيا في كلتا الحالتين أساس التاريخ حتى ابن خلدون، ويتحول الغرب الروماني إلى محيط للمركز الإسلامي، إحساسا ببلاد الفرنجة في الشمال، وكانت فلطسين في شرق البحر المتوسط منذ القدم بؤرة الصراع بين شماله وجنوبه.
5
وهي ترجمة عربية رصينة بأسلوب عربي قديم، وبمصطلحاته التي قد لا تتفق مع الترجمة الحرفية القاموسية المعجمية الحديثة، التي تقوم على نظرية المطابقة، مطابقة الترجمة مع النص المترجم، فالترجمة فرع والنص المترجم أصل، وأي خروج على ذلك بالحذف أو الإضافة أو التأويل، فإنه يكون خروجا على النص الأصلي، فالنص اليوناني هو الأصل، والترجمة العربية الفرع، وتصح الترجمة إذا ما طابق الفرع الأصل حذو القذة بالقذة، مع أن الترجمة هي إعادة قراءة وإعادة كتابة، ليس فقط بين النص اللاتيني والترجمة العربية، بل بينه وبين الترجمة اليونانية أو الترجمات الأوروبية الحديثة، ويعني هذا التصور لعلاقة الفرع بالأصل تصور الترجمة تابعة للنص المترجم علاقة المحيط بالمركز، الشرح بالمتن. الترجمة تأليف غير مباشر، إعادة كتابة النص الأول بلغة أخرى، وبغرض آخر، وفي بيئة ثقافية مغايرة، الترجمة تأليف غير مباشر، ليست نقلا حرفيا، تتبع بناء الجملة العربية وليس بناء الجملة اللاتينية.