37
كما ترجم كتاب «الصلاة لياسميتوس» أو ما تبقى منه مما يدل على جرأة المسلمين، على ترجمة الكتب الوثنية ونصوص الصائبة الذين ورد ذكرهم في القرآن، ووضعها في إطار أفلوطين، وقد كانت الثقافة الفلسفية الشائعة؛ فالوثنية هي دين طبيعي، والله خالق الطبيعة؛ فالنقل الحضاري يضع دين الطبيعة داخل دين الوحي، ويعبر عن الوحي بدين الطبيعة.
ولا فرق في الترجمة بين نص ديني أو فلسفي أو علمي؛ فكلها تخضع لمنطق واحد، ترجمة حرفية أو معنوية، حذف أو زيادة أو إعادة كتابة للنص واستبدال الأمثلة، وتعريب المصطلحات أو نقلها، ولكن النص العلمي الرياضي والطبيعي، في حاجة إلى موقف إنساني حتى يخفف من مستوى تجريبه أو موضوعيته، وتحويله إلى مستوى إنساني، بداية بحكاية ونهاية بشعر، بحيث يتحول النص العلمي في الحضارة المنقول منها إلى نص إنساني في الحضارة المنقول إليها، سواء كان هذا النقل الحضاري، كله أو بعضه، قد تم من قبل في النص اليوناني. وهذا السياق الحضاري للنقل أكثر دلالة من النص المنقول نفسه؛ فالخيال طريق العقل، والشعر مقدمة للرياضة وخاتمة لها، والبداية بمسائل علمية مثل بناء قبر، وبتدخل وحي من دلفي، ربما من الأنبياء الذين لم يتم الإخبار بهم
منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك .
38
وحظيت ترجمة النصوص السياسية بقدر كبير قدر نصوص المنطق والطبيعيات والإلهيات والرياضيات، بالرغم من وجود الشريعة في الحضارة المنقول إليها. مثال ذلك «رسالة ثامسطيوس إلى يوليان الملك في السياسة وتدبير المملكة».
39
لم يكن ثامسطيوس (317-388ق.م.) فقط شارح أرسطو؛ فقد لقيت شروحه ترحيبا في العالم الإسلامي، بل كان مؤلفا وصاحب مواقف سياسية، وكان من أفاضل الوثنيين الذين بقوا على دين اليونان. نال الحظوة عند يوليانوس الذي ارتد من المسيحية، وكان يود إحياء الديانة اليونانية والحضارة الهلينية، مما يدل على ثقة المترجم بنفسه وترجمة الوثنيين، وهو نصراني يعيش في بيئة إسلامية.
40
وقد رحب المسلمون بثامسطيوس؛ لأنه متدين على نحو طبيعي، عقلاني يوناني. وقد يكون أفضل مسيحية من كثير من المسيحيين، يقترب من الأخلاق، ويبتعد عن العقائد، فكان أقرب إلى الإسلام، والدين الطبيعي كما يبدو ذلك من خطابه في حب الخير. ربما دخلت أشعاره وآراؤه المترجمة داخل الفكر الإسلامي، عن طريق الفارابي وابن سينا مثل «قلوب الحكماء هياكل الرب، فيجب أن تنظف بيوت عبادته». وقد انتشر هذا النوع الأدبي في الحضارة الإسلامية، نصائح الملوك، وألف فيه المسلمون فيما بعد مثل الجويني والغزالي. واختيار ترجمة النص في حد ذاته يدل على قصد نحو الموضوع؛ فالداخل هو الذي يحدد كيفية الاختيار من الخارج، فالدين النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم.
وفي رسالة في التوحيد الطبيعي «أن الله خلق الإنسان أكمل الحيوان وأتمه»، مثل:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، وخلق النفس وحواسها. وإذا رفض الإنسان اللذات الجسمانية كان في سيرته سالكا السبيل الذي يرتضيه الله؛ فكل شيء بيد الله، ويحفظ الإنسان من الوقوع في الشر. خلق فيه الشهوة والعفة، وهداه النجدين، فالله بداية شيء، وخالق كل شيء، والحياة الفاضلة تبدأ بالنفس وطهارتها. ولما كان الإنسان الواحد لا يمكن أن يعمل الصنائع كلها، احتاج الناس إلى بعضهم البعض، ولأن الله خلق الإنسان بالطبع يميل إلى الاجتماع والأنس، ووضع سننا وفرائض يرجعون إليها ويقفون عندها. وكما أن الله واحد و
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ؛ فإن رئيس المدينة واحد أيضا ، وكما هو الحال عند الفارابي. وهنا يبرز فضل الملوك الذين يقومون بتدبير أمور الناس وسياستهم، يدفعون عنهم الأذى الذي قد يقع عليهم في الداخل أو في الخارج. وتبدأ الترجمة بالبسملة وتنتهي بالحمدلة في جو ديني، الله تبارك وتعالى جل ثناؤه، جل وعز؛ مما يوحي بسهولة النقل الحضاري من النص الأول في الحضارة المنقول منها إلى إعادة كتابته كنص ثان في الحضارة المنقول إليها.