6
الترجمة نقل حضاري، ومن الطبيعي أن يحدث فيها حذف وإضافة وتأويل؛ فكثير من الوقائع في النص اللاتيني لا دلالة لها، مجرد وقائع خالية من المعنى تحذفها الترجمة. وهناك وقائع أخرى تضيفها الترجمة أكثر دلالة وإظهارا للمعنى. وهناك كثرة من أسماء الأعلام الأعاجم غير معرفة في البيئة العربية تسقطها الترجمة، وهناك أعلام أخرى أكثر دلالة تضيفها الترجمة، هناك حوادث كثيرة وأخبار حروب وعدوان لا تهم البيئة الجديدة. وهناك حوادث كثيرة وأخبار أخرى أكثر دلالة تضيفها الترجمة، ويعترف المترجم بذلك صراحة «وتركنا ذكرها إذا كانت أسماؤها غير معروفة في اللسان العربي». هناك حكايات شعبية وحوادث غير دالة وكأنها حوليات وخاطرات. قواد تحذف من الترجمة وتوضع مكانها حوامل أخرى، أكثر قدرة على حمل الدلالات، كما هو الحال في القصص القرآني في الصلة بين التاريخ والموعظة. وهي فترة مهمة، الفترة السابقة على ظهور الإسلام بقرن ونصف، والتي يصدر عليها الإسلام أحكاما بتحريف النصوص وسوء تأويل العقائد وعصيان الشريعة من أهل الكتاب.
7
ويبدو أن الناشر خازن علم، وربما أتت إحصائياته على الحذف والإضافة بين الترجمة والأصل، اعتمادا على دراسات المستشرقين القائمة على الأثر والتأثر، مثل معظم دراساته السابقة. وهنا تبدو أهمية الباعث الوطني في البحث العلمي خاصة في العلوم الإنسانية. خلا البحث من الدلالة والموقف؛ فالعلوم الاجتماعية علوم وطنية. مشكلة الاستشراق مشكلة التحريف، تحريف التوراة والإنجيل وكل الوثائق التاريخية، ومشكلة الترجمة التحول من النقل إلى الإبداع. النقل مقدمة للإبداع وليس غاية في ذاته تطابق التاريخ. النقل معنى يولد وقائع جديدة؛ فهذه ليست معضلة «لا حل لها»، بل حلها في منطق النقل الحضاري. لا يهم الواقع التاريخي بل معناه، خاصة وأنه تاريخ غير دال كله حروب وظلم وعدوان وموت، وجنس ودين وسلطة، المحرمات الثلاثة عند المعاصرين ودوافع الحروب عند القدماء . والقضية هي: هل هذا التاريخ ميدان لتحقيق الوعد الإلهي أم إنه ميدان لصراعات البشر؟
8
تحذف الترجمة كل ما هو غير دال، ولا يحسن توظيفه في البيئة الثقافية الجديدة؛ فهو حذف مقصود وليس نقصا عن سهو أو خطأ أو عدم فهم، يكمله الناشر الحديث وكأن النص اللاتيني هو الأصل، والترجمة العربية هي الفرع. غيابه في الترجمة لا يدل على حضوره في النص المترجم، ووجوده في النص المترجم لا يدل على غيابه في الترجمة؛ من ثم لا يجوز للناشر الحديث إرجاع المحذوف من الترجمة القديمة، حتى تكون كاملة مطابقة للنص المترجم.
9
وقد يقوم المترجم بتجاوز الحذف إلى الاختصار، مثل الخطبة التي استهل بها المؤلف الجزء السادس. كما اختصر عديدا من الصفحات في آخر الفصل وتصرف فيها، ولم يترجم البنود التفصيلية فيه؛ هذا المحذوف لا يناسب غرض الترجمة الجديد في البيئة الثقافية الجديدة، مثل بعض الموضوعات الكلامية عن قدم الله وحدوثه والذات والصفات والأفعال؛ فعند المسلمين خير منها. صغر جزء المسيح بالنسبة للجزء الإثني، وكبر حديث الأرض عن حديث السماء؛ فقد نقل المترجم مدينة الأرض واختصر مدينة السماء. ترك الجسد وركب روحا آخر عليه؛ فالسماء قاسم مشترك بين التراثين، المسيحي والإسلامي. التلخيص مرحلة متوسطة بين النقل والإبداع، التركيز على النص المترجم من أجل إفساح المجال للترجمة المؤلفة. لم يتابع المترجم النص بل أسقط وعدل واختصر، وتصرف وأضاف مثل التاريخ من آدم حتى القرن الرابع، ثلثه من الأصل والباقي من مصادر أخرى. وإذا كانت الترجمة للخليفة فإنه من الأفيد له حذف كثير من تاريخ اليهود والنصارى، وإدخال تاريخ أكثر دلالة له ينبع من مخزونه الثقافي، أو إعطاء تفاصيل وزيادات تتعلق بأوروبا الفرنجية، التي يناطحها المسلمون في الأندلس.