تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

كما لاحظ فلوطرخس أن الحضارة اليونانية كانت على صلة بالعهد القديم وبالتراث العبراني القديم، ويذكر الشاعر اليوناني ديانمورس المذكور في العهد القديم، والذي كان ينكر الآلهة ويسخر بالأسرار، ومذكور أيضا عند شيشرون في «طبيعة الآلهة»، وعند اليهود والمسيحيين (يوسف وتاسيان)،

32

ولا ينسى فلوطرخس ذكر الأثر الشرقي للحضارة اليونانية، وهو ما افتقدناه نحن الآن في رؤيتنا لها، فقد تفلسف طاليس في مصر، وزارها وتعلم فيها؛ لذلك تظهر صورة مصر في الفلسفة اليونانية عندما يتحدث طاليس عن مصر وزيادة نهر النيل،

33

كما يشير فلوطرخس إلى بعض الأسماء مثل بيروسسن وهو كاهن بابلي أيام الإسكندر عنى به اليهود والنصارى.

34

وفي «حجج أبرقلس في قدم العالم ترجمة حنين بن إسحاق» تظهر شجاعة المترجم في نقله إلى اللسان العربي نصا ضد تصور البيئة الثقافية الجديدة، الذي يقوم على حدوث العالم وهي تسع حجج: الأولى مأخوذة من وجود الباري فلا يصدر عن القديم إلا قديم مثله؛ فالباري هو رب الأشياء والمالك لها. والثانية إذا كان مثال العالم أزليا فالعالم المادي أزلي مثل مثاله، وهي حجة شبيهة بقدم علم الله بخلق العالم. والثالثة أن الله قبل خلق الله تعالى العالم بالفعل كان خالقا له بالقوة، والوجود بالقوة أحد أنماط الوجود. وقد اعترف أفلاطون بهذه الحجة في محاورة «فيليبس». والخامسة أن ما يخلق من علة غير متحركة يكون أيضا غير متحرك. وهي حجة شبيهة بمشاركة العالم الله في صفة العلم، والثبات والديمومة مثل العلم. وهي مضادة لحجة إثبات الخلق عن طريق دليل الحركة المشهور عند أرسطو وفي العصر الوسيط المسيحي. والخامسة أن الكون في الزمان والزمان قديم فلزم أن يكون العالم قديما. والسادسة إن كان الله قادرا على خلق العالم والقدرة قديمة فالعالم قديم، وهي نفس حجة العلم والديمومة. وقد اعترف بذلك أيضا أفلاطون. والسابعة إن كانت نفس الكل غير حادثة ولا فاسدة وكذلك العالم، وهي نفس الحجة السابقة ولكن هذه المرة مع روح العالم. والثامنة تفصيل على حجة الفساد؛ فالفساد تحول عن شيء إلى شيء ولا شيء، غريب على الكل، ولا تحول خارجا عليه، إذن فالعالم قديم لأنه هو الكل. وقد اعترف أفلاطون بذلك أيضا في فيدون. والتاسعة الأخيرة أن الفساد يقع لآفة والعالم سعيد لا آفة فيه مثل الملائكة. وهو نوع من الإسقاط النفسي على العالم والانتقال من العالم الموضوعي إلى العالم الذاتي، من الخبر الإنشاء، ومما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون. وحجج أبرقلس ثمان عشرة حجة، نقلها حنين نقلا رديئا، ولم يبق منها إلا هذه الحجج التسع. وواضح من هذه الصياغة الألفاظ الإسلامية مثل الله تعالى والخالق والباري والملائكة والوحي والكفر. كما يتضح إثبات شبهة أرسطو وقوله بقدم العالم اعتمادا على أفلاطون.

35

وفي «كلام لأبرقلس من كتابه أسطوخوسيس الصغرى» يعني اللفظ عناصر الطبيعة في مقابل عناصر الإلهيات. ويضم نفس الأفكار، فيض الخير من العلة الأولى. كما قال أفلاطون إن المبدأ الأول هو الإله الأول، والشمس بالنسبة للمحسوسات مثل الباري بالنسبة للمقولات، مصدر للمعرفة. وهو الله عز وجل بصفاته الإسلامية سبب كل الخيرات. والآراء التي يجب اعتقادها في الله، هي أنه جواد معطي الخيرات وليس السيئات؛ لأن الله ليس سببا للشرور، وأنه غير متغير؛ فالتغير ضعف، والله ليس ضعيفا بل في غاية القوة، وأنه عالم بالأشياء على حقائها علما لا خطأ فيه، وهي صفات ثلاث شبيهة بالعلم والقدرة والحياة التي تعادل الخير.

36 (2) من دين الطبيعة إلى دين الوحي

كما تم التحول من دين الطبيعة إلى دين الوحي في ترجمة «مسائل فرقليس في الأشياء الطبيعية» لأبرقلس بطريقة السؤال والجواب وبداية بالبسملة، قام بها إسحاق بن حنين مما يدل على أن الدافع على الترجمة لم يكن فقط الإلهيات، بل أيضا الطبيعيات أي العلم الخالص. وهي مسائل تجمع بين الطبيعة والحرارة والبرودة والماء والنار والطب، مثل حساسية الإبطية والأقدم، والنوم والشعر، والصلة بين الخصي وعدم نبات اللحية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٥٧