تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإله الذي يشير إليه الشيخ اليوناني هو الله عز وجل، وهو الباري تبارك وتعالى، فتم نقل الإله في الحضارة اليونانية على مركز الحضارة الجديدة؛ فالباري مبدع وخالق وهو العلة الأولى، العقل، الواحد، الأول، الحكيم، المدبر، طبقا لظاهرة التشكل الكاذب.

24

ويتضرع أفلوطين إلى الله ويسأله العفو والتوفيق كأشعري، يرى أن التوفيق والهداية من الله، ويجمع بين الابتهال باللسان والابتهال بالعقل حتى تتم الهداية، ويعرف الإنسان أن الواحد الخير تفيض عنه الخيرات والفضائل عند من طلبها، ودون تركيز على الجهد والعمل الصالح؛ فالعمل هو العمل العقلي التأملي؛ هذا إعادة إنتاج لنص أفلوطين الأول ونقله من البيئة اليونانية إلى البيئة الإسلامية. وقد يضيف الناسخ بعض الصفات الإلهية له طبقا لعاداته الموروثة؛ فلا يكتفي بالباري بل يضيف الخير.

25

وهو يسوس العالم سياسة عادلة؛ فهو إله الشريعة كما هو إله العقيدة، يثيب ويعاقب.

26

أما العقل فهو نور يشرق في النفس من الله؛ وبالتالي فهو حلقة الاتصال بين الله والنفس والذوق.

27

ويصعب التمييز بين هذه الرؤية للشيخ اليوناني والرؤية الصوفية الإسلامية، ولا شيء فيها يعارض العقل أو الذوق، مثل السعي إلى المعرفة، والاتجاه نحو غاية، البحث عن الطريق الموصل إليها، ومعرفة طبيعة النفس، والجمع بين النظر والعمل، والفلسفة والأخلاق، والعقل والذوق كما هو الحال في حكمة الإشراق. ما الفرق بين رؤية الشيخ اليوناني ورؤية التصوف الفلسفي أو الفلسفة الإشراقية؟

28

والعمل هنا لا يعني الشعائر بل العمل العقلي. والجهد النفسي والتأمل الذهني، هو عمل الشعور، عمل العقل والقلب وليس عمل الجوارح.

والنفس هو الموضوع الغالب على ميامر خمسة من الميامر العشرة.

29

في حين أن الله يغلب على ميمرين، وكل من العقل والكواكب والنار في ميمر مستقل. وأحيانا تبدو النفس بيولوجية الطابع؛ فالنفس تمام البدن كما هو الحال عند اسبينوزا، النفس صورة البدن؛

30

لذلك أعجب به برجسون الذي فكر في العلة بين النفس والبدن، خاصة في المادة والذاكرة. ويبدو الشيخ اليوناني ظاهراتيا لأنه يبحث في الميمر الثالث ماهية النفس ضد الجرميين أي الماديين.

ومع ذلك تبدو النفس الطاهرة أيضا مثل العقل في اتصالها بنور الفيض، هبوطا عليها وارتقائها نحوه صعودا إليه، وهي متصلة بالله، وخالدة مثله. ويبدو أن هذا التراث الصوفي مشترك بين كل الناس والحضارات، لا يخص فيلسوفا بعينه أو حضارة بعينها، فلا فرق بين أثولوجيا الشيخ اليوناني وحكمة الأشراق للسهروردي. إنما القضية في إعادة تركيب الرؤية، بحيث تكون أوضح وأشمل والتعبير عنها بمصطلحات محلية، موروثة وليست وافدة، مثل غضب الله؛ فالتصوف هو ما يجمع البشر وليس فقط الحكمة، والذوق طريق للمعرفة عند الخاصة وليس فقط العقل. التجربة الصوفية واحدة عند كل الأتقياء الأطهار. ولغة الشوق والحب، والعلو والسفل، والثنائية المتطهرة، لغة الثقافة الشعبية وهوى النفس والعزاء الأخروي عن الشقاء الدنيوي.

31

أما السماء والكواكب فهي أيضا تعبير عن الإيمان العقلي، وتشخيص لمواجيد النفس وتجسيد لعلم الإشراق،

32

وكذلك تشخيص الأهواء والانفعالات والأوهام والخيالات مثل الجن، وكما هو الحال في الطبيعيات في علم أصول الدين.

33

| عاشرا: من الإيمان الفلسفي إلى الإيمان الديني

ظهر هذا التطور من الإيمان الفلسفي إلى الإيمان الديني عن طريق مسار الفكر اليوناني وتطوره، من أرسطو إلى الشراح إلى الأفلاطونية المحدثة خلال العصر الهلينستي، وقد تم ذلك بعدة طرق: (1)

عرض أفلوطين، الشيخ اليوناني دونما حاجة إلى رفع. (2)

رفع الطبيعة إلى مستوى ما بعد الطبيعة في علم واحد، كما هو الحال في كتاب الآراء الطبيعية، المنسوب إلى فلوطرخس . (3)

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٥٤