تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

أكمل أفلوطين العقل بالقلب، والفلسفة بالتصوف، كما فعل حكيم الإشراق السهرودي في «حكمة الإشراق».

ولا يقتصر ذلك بالجمع بين أرسطو وأفلوطين (أفلاطون الشرقي) وحدهما، أو في عصر الترجمة وحده، بل استمر ذلك كدافع حضاري أصيل ومتصل بعد ذلك في التأليف عند الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين، أفلاطون الإلهي وأرسطاطاليس الحكيم». وتكفي دلالة اللقب، أفلاطون الإلهي أي الإشراقي الصوفي الغنوصي نموذج أفلوطين، وأرسطاطاليس الحكيم أي العقلي المنطقي الطبيعي. وليس هذا الجمع بين أرسطو وأفلوطين خاصا بالحضارة الإسلامية وحدها؛ فقد حدث أيضا في الحضارة الغربية على نحو آخر؛ ففي النقل الحضاري الذي قد تم من قبل في الحضارة المسيحية في الترجمة اللاتينية، فتغير الأصل وتحول إلى تلخيص موسع، تبدلت الأفكار، ووضع الأنبياء محل قدماء الحكماء.

18

وقد أقحم في الميمر العاشر فصل طويل مسيحي النزعة، يتناول الله وكلمة الله والعقل الفعال والعقل المنفعل؛ فالترجمة اللاتينية قراءة وإعادة إنتاج للنص للاتفاق مع تعاليم الكنيسة.

والنصوص القديمة تكون كلا حضاريا واحدا، لا ينتسب كل نص منها إلى مؤلف بعينه، بل تعبر كلها عن رؤية حضارية واحدة. تشير أثولوجيا أرسطوطاليس مثلا إلى كتاب «فلسفة الخاصة». هل هو كتاب أفلوطين أو كتاب غيره، أو كتاب مجهول المؤلف في نفس الموضوع؟ كما تشير الترجمة إلى الروحانيين؛ أي فرقة بأكملها تمثل هذا التيار ولها كتاباتها وعقائدها. ويشير إلى الشريعة الإلهية؛ أي إلى تنظيم اجتماعي وقانوني لمجتمع روحاني.

19

ما تم ليس ترجمة حرفية بل نقلا حضاريا، نقل من أثولوجيا إلى الربوبية، والربوبية غير الإلوهية؛ إذ تتضمن الربوبية العناية بالعالم، وهو تصور غير موجود في أثولوجيا. وتثبت مقارنة المخطوطات هذا النقل الحضاري؛ ففي نشرة ديتريصي لا توجد إشارة إلى الله، في حين توجد الإشارة في مخطوطة أخرى،

20

والنص اللاتيني يتبع النص العربي الذي يحيل إلى الله؛ لأنه في نفس الموقف الحضاري، النقل من اليوناني إلى المسيحي. وقد ذكره المؤرخون أيضا منقولا نقلا حضاريا كما هو الحال عند المترجمين، «كتاب القول على الربوبية»، «أثولوجيا الربوبية»، وليس الله لأن الله هو الإله الحق.

21

ويبدأ الميمر العاشر بالربط بين التوحيد والعمل الصالح.

22 (3) عناصر الإشراق

والموضوع الغالب على النص هو النفس، ثم الباري ثم العقل ثم الكواكب ثم النار؛ فالتاسوعات نظرة نفسية للعالم، إشراقية أوغسطينية، ومن النفس يتم الصعود إلى الله، فيتم اكتشاف العقل لفهم الطريق، ثم تأتي الطبيعة بعد ذلك نزولا من الله إلى العالم، ثم يتم الصعود من جديد في الأخرويات إلى بقاء النفس بعد حسابها ثوابا أم عقابا، فهل هذا المسار أفلوطيني أم إسلامي؟ أم إنه المسار الأفلوطيني قد تم إعادة إنتاجه إسلاميا؟ والحقيقة أنه في رءوس المسائل لا توجد بنية متسقة، بل موضوعات متفرقة مثل النفس، والعقل، والله، تتكرر بلا نظام؛ فليس الهدف هو بناء نسق عقلي إشراقي، بل مجرد فيض إشراقي خاصة وأن النسق العقلي، المنطقي الطبيعي، موجود في باقي أعمال أرسطو. ويبدأ الشيخ اليوناني بمختصر وجيز، يضع فيه هذه الرؤية الكلية بكل تفصيلاتها، أسوة بأسلوب التأليف عند المسلمين.

23

البداية بالله كعلة أولى، وكل ما سواه دونه في ذلك الزمان يتحرك إليه بالشوق، وهو يفيض عليه بالعقل. وبتوسط العقل يستمر الفيض إلى النفس الكلية الفلكية، ومن العقل بتوسط النفس يستمر الفيض إلى الطبيعة. والعالم العقلي كله حسن وبهاء، كما يصف القرآن السماء الدنيا المزينة بالمصابيح والثريا. والنفس خالدة روحيا بعد تطهيرها من أدران البدن؛ ففي مقابل حركة النزول، الفيض، هناك حركة الصعود، بصعود النفس الطاهرة إلى الباري الأول. والسؤال إذن هل هذا الشيخ اليوناني الإسلامي؟ هل هذا هو الفيلسوف اليوناني أم الصوفي الإسلامي؟

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٥٣