47
لقد حول المسلمون القسمة الأرسطية البسيطة للعقل إلى فعال ومنفعل، إلى قسمة أكثر تركيبا عقل بالقوة، وعقل مستفاد ولمزيد من الإحكام النظري. ولم يقصر الأمر فقط على شرح المنطق والطبيعة وما بعد الطبيعة، بل انتقل الأمر أيضا إلى الأخلاق دفاعا عن أرسطو.
48
وفي دراسة نظرية العقل وأنواعه بين الفلاسفة والشراح اليونان، والشراح والفلاسفة المسلمين والشراح والفلاسفة اللاتين المتأخرين، هناك عمليتان حضاريتان مستقلتان: الأولى تمثل الشراح والفلاسفة المسلمين للنص اليوناني وشروحه؛ من أجل نقله من الثقافة العقلية المثالية إلى الثقافة العقلية المثالية الدينية، تمثلا واحتواء من أجل التأليف والإبداع. والثانية تأثر الشراح والفلاسفة اللاتين المتأخرين في العصر المدرسي، بشروح وتأليف الفلاسفة المسلمين. هنا يمكن تطبيق منهج الأثر والتأثر في حضارة تاريخية تتكون في التاريخ. أما في الحالة الأولى فهي عمليات حضارية صرفة، لها طابعها المثالي المرتبط بماهية الفكر، وبنية موضوعاته المستقلة عن التاريخ.
إن دراسة الشراح اليونان للفلسفة اليونانية في القرون السبعة الأولى قبل ظهور الإسلام، تثير عدة إشكالات رئيسية منها: (أ)
هي جزء من الثقافة اليونانية الصامدة أمام المسيحية، نموذج الإسكندر الأفروديسي؛ فبالرغم من ظهور الدين الجديد إلا أن الثقافة القديمة ما زالت متواصلة. (ب)
هي جزء من الثقافة اليونانية التي دخلت المسيحية وتفاعلت معها، إما في التشكل الكاذب، المضمون المسيحي واللغة اليونانية مثل التعبير عن النفس والروح بالألفاظ اليونانية
Pneuma,
Psyché ، أو التضمن الكاذب، الشكل المسيحي والمضمون اليوناني، مثل إعطاء أوصاف آلهة الأولمب للسيد المسيح. وهنا تبدو أهمية الشراح اليونان المسيحيين، مثل يحيى بن عدي. (ج)
هل هناك أثر غير مباشر من المسيحية في الثقافة اليونانية، ظهر في كتابات الشراح ذي الثقافتين اليونانية والمسيحية، مثل الإيمان الطبيعي نظرا للجو الديني العام الجديد، وقلب لمعادلة المركز والأطراف، واعتبار اليونانية باستمرار هي الأساس، وكل تال عليها من مسيحية أو يهودية أو إسلام هو فرع لها، متأثر بها؟ (د)
باعتبار أن هذا هو الفكر الديني السابق على الإسلام، قد يفيد في فهم نقد القرآن للعقائد المسيحية واليهودية، ونقده التاريخي لصحة النصوص الدينية، ونقده للسلوك العملي لأهل الكتاب. (ه)
معرفة صورة هذا كله في الفكر الإسلامي عند الحكماء، وهل تابعوا نقد القرآن أم قاموا باحتوائه في المنظور الإسلامي العام، أو برفضه والعودة إلى أرسطو الصحيح.
| تاسعا: الترجمة وروح الحضارة
(1) «أثولوجيا» بين أفلوطين التاريخي والمصدر الخارجي
وتنقسم الترجمة العربية لتاسوعات أفلوطين إلى عشرة ميامر، فما الميمر؟ هل تصغير ممر؟ وكيف هناك عشرة ميامر وهي تاسوعات؟ وليس لكل الميامر عناوين؛ فالثاني والثالث بلا عنوان. والموجود حاليا تلخيص التاسوعات وشرحها معا دون ترجمة حرفية للنص الأصلي، مما يدل على أن النص هو التأليف غير المباشر، عن طريق التمثل والاستيعاب، وليس النقل اللغوي لنص تاريخي. والموجود حاليا أجزاء من التاسوعات الرابعة والخامسة والسادسة، أطلق عليها اسم أثولوجيا أرسطاطاليس، نصوص متفرقة باسم الشيخ اليوناني.
1
وتاريخيا يرى البعض أن أثولوجيا يتكون من ثلاث قطع: الأولى مقدمة منتحلة تصور أثولوجيا على أنها نتيجة للميتافيزيقا، وهي من عمل الكندي من أجل إثبات التكامل في رؤية أرسطو. وقد تكون من عمل شخص آخر؛ نظرا لارتباط الكندي بالعقل والعلم في رسائله الفلسفية والطبيعية. والثاني جدل رءوس المسائل، وهي شذرات من كتاب فرفوريوس «الرءوس والمسائل»، مما يدل أيضا على التأليف الجماعي عند قدماء اليونان، لا فرق بين الأستاذ والتلميذ، وهذا حادث عند اليونان والمسلمين والغربيين المحدثين في المؤلفات المشتركة بين ماركس وإنجلز. والثالث نص أثولوجيا، عشرة ميامر من تلميذ لأفلوطين. والشذرات مأخوذة من التاسوعات الثلاثة الأخيرة، الرابع والخامس والسادس، وهو الجزء الخاص بالإلهيات دون الطبيعيات، طبقا لأفضلية الحضارة المنقول إليها وأولوياتها.