2
وليس صحيحا أن الرواية أثر من آثار الفلسفة التلفيقية الهلينية التي أنتجت البويماندرس، والتي دان بها علماء الصابئة في حران، حتى عهد متأخر عن ظهور الإسلام بعدة قرون، حتى تكون أقرب إلى الوثنية منها إلى دين الوحي طبقا للنظرية الماركسية في الدين. علما بأن الصابئة موحدون بالله، ويعرفون العمل الصالح، لولا أنهم يتقربون إليه عن طريق الكواكب.
3
وليس صحيحا أنها نتاج يهودي من نظرية الكلمة عند فيلون وعند خلفاء أفلوطين خاصة يامبليخوس، وهي الحكمة الأولى علة العلل، هذا هو التشكل الكاذب، التعبير عن المضمون اليهودي، بألفاظ ومصطلحات يونانية، وليس وجود الكذب في سفر يشوع بن سيراخ.
4
كما لا يهم إذا كانت بعض الزيادات في كتاب ما بعد الطبيعة لعبد اللطيف البغدادي من أصل يهودي مصري، بل المهم هي الرؤية والتعبير عنها من خلال أية مواد ثقافية متاحة؛ فالجذور التي تورق لا تسأل عن أي نوع من المياه ترتشف.
5
كما قيل أيضا عن أن «إيضاح الخير المحض» لأبرقلس تأليف يهودي وضعه ابن داوود اليهودي؛
6
فاليهود والنصارى جزء من الحضارة الإسلامية، ويشاركون في صنعها، وقاموا بالعمليات الحضارية مع المسلمين.
ليس صحيحا إذن أن الرواية العربية لأثولوجيا أرسطاطاليس قد لفقت لاستعمال جمهور المسلمين، في حين أن الرواية الأخرى وضعها نصارى الشرق لما فيها من نصوص عن نظرية الكلمة، بوصفها وسيطا بين الواحد الأول والعقل الأول المبتدع منه، وهي نصوص ذات نزعة مسيحية. وهو السبب الذي من أجله ظن الباحثون قبله أن الترجمة اللاتينية زيف الأصل العربي لتتفق مع المسيحية،
7
فهذا هو النقل الحضاري مرة إسلاميا ومرة مسيحيا وضعية، أما البحث عن الوثيقة التاريخية الأصلية بلا نقل حضاري إسلامي أو مسيحي، فإنها نزعة تاريخية وضعية مجردة باسم الموضوعية الحرفية الساذجة، التي تبعد كثيرا عن الموضوعية الحضارية، خاصة إذا كان الباحث ماركسي المنهج، تاريخي النزعة.
وليس صحيحا أنها أثر إسماعيلي؛ فلا يرد الإسلام إلى الإسماعيلية، بل ترد الإسماعيلية إلى الإسلام.
8
وكيف يكون الفرع أصلا والأصل فرعا؟ والإسماعيلية بالنسبة للغرب أقرب إليهم من الإسلام نظرا للأصول الهندية الأوروبية المشتركة بين فارس والغرب، وللعداء المشترك لفارس والغرب ضد العرب أهل السنة. وإن كانت الكلمة هي الإرادة والعلم، وكن أول ما خلق الباري، وهي علة العلل فإنها أشياء عادية مألوفة في علوم الحكمة، وليست إسماعيلية بالضرورة. ووجود نسخة بحروف عبرية لا تعني أن مؤلفها يهودي إسماعيلي إشراقي لضرب الإسلام في مصر أو المغرب، أو الأندلس أو العراق أو إيران أو سوريا. الأفلاطونية هي الأساس والإسماعيلية الأفلاطونية تنويع عليها وانتحال لها. كما أن الإسلام هو المصدر والإسماعيلية تنويع عليه، وكما أن أفلاطون هو المصدر والأفلاطونية تنويع عليه، وعود إلى المصدر الشرقي فيه، فهي إذن عمليات متصلة من عمليات إبداع حضاري متتال.
ولا يأتي الإشراق من أي مصدر فارسي أو تركي غير عربي؛ نظرا لأن الفلاسفة العرب عقليون علميون مثل الكندي وابن رشد، في حين أن الفلاسفة غير العرب إشراقيون صوفية مثل الفارابي وابن سينا؛ فالإشراق يتجاوز حدود القوميات إلى روح الحضارة، واكتمال الحكمة الخالدة. ومع ذلك لم يتم النقل إلى اللغة العربية وحدها، بل أيضا إلى اللغة الفارسية إما مباشرة من اليونانية أو من العربية. وقد كانت الثقافة اليونانية ممتدة إلى فارس في عدة مراكز مثل بلخ، كما امتدت إلى الشام في أديرة النصارى في رها ونصيبين.
9
ويعزز هذا المصدر الشرقي لأفلوطين أثرا وتأثرا. (2) الإشراق المصري اليوناني الإسلامي
وأفلوطين هو أفلاطون الشرقي، مؤسس الفلسفة الشرقية في مقابل فلاسفة اليونان، فلاسفة الغرب. عاش في الإسكندرية، في مصر، ومصر هي الشرق مع بابل وكلدان؛ لذلك أتت الإشارات المتعددة لمصر والبابليين ولفلاسفة الشرق.