33
الفعل أكرم من الجوهر، والتوحيد بين
Melius, majus .
34
لقد أعاد الشراح اليونان إنتاج أرسطو وإقامته على الجانب الإلهي فيه؛ فليس المسلمون وحدهم من خلال «أثولوجيا» الذين قاموا بذلك، بل الشراح اليونان كذلك من خلال تكبير عبارات أرسطو الإلهية، وجعلها المركز وما سواها المحيط، مثل شرح ثامسطيوس لمقالة اللام. لم يناقض الإسكندر أرسطو بل دافع عنه باستمرار كما فعل المسلمون، فلماذا يعاب على الحكماء المسلمين وحدهم دون غيرهم هذا الموقف الدفاعي من أرسطو؟
35
يرد الإسكندر على المخالفين لأرسطو ويدافع عنه،
36
ويشرح موضوعاته طبقا لآرائه؛
37
فالإسكندر إلهي مثل أرسطو، يثبت أولوية الصورة على الوجود دفاعا عن أرسطو، وبالتالي أولوية الفكر على الواقع كما يقتضي الإيمان العقلي،
38
والصورة تمام الحركة وكمالها، والميتافيزيقا أكمل من الفيزيقا،
39
والفعل أعم من الحركة انتقالا أيضا من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة.
40
وقد اعتمد الإسكندر على العقل البشري البديهي الذي هو أساس النقل عند المسلمين. كما يمثل ارتقاء في الوعي الإنساني في العصر الهلينستي، كخطوة نحو إعلان استقلال هذا الوعي بظهور الإسلام. هذا بالإضافة إلى الجو المسيحي الذي كان سائدا كثقافة عامة لغير المسيحيين، بل إن تعظيم المسلمين له أعظم من تعظيم المسيحيين له، سواء في المسيحية اليونانية أو في المسيحية اللاتينية، ويظهر ذلك في الموضوعات مثل مبادئ الكل، الوحدة الأولى.
41
كما يظهر في الحديث عن الأشياء الأزلية الإلهية وحركة الأشياء الإلهية، والحيواني الإلهي، والجسم الإلهي، والأمر الإلهي، والقوة الإلهية، وكثرة استعمال الصفة إلهي،
42
بل يظهر اللفظ الإسلامي لفظ الجلالة «الله عز وجل وحده»، مما يدل على نقل الجانب الإلهي عن الشرح اليوناني إلى الجانب الإلهي، عند النقلة الذي يعيشون في الحضارة الإسلامية، نصارى كانوا مسلمين؛
43
فالله عز وجل بدايتها من أرسطو معنى لا لفظا، ثم سارت إلى الإسكندر، ثم تحولت من المعنى إلى اللفظ عند المترجم والناسخ والقارئ، تعبيرا عن روح الحضارة الإسلامية، كما يظهر الربط بين الميتافيزيقا والأخلاق والحديث عن الشريعة والمدينة والسياسة.
44
هذا بالإضافة إلى الإفاضة في شرح العقل؛ لأنه يتعامل مع المعنى وليس مع اللفظ، مع الكل وليس مع الجزء، مع المضمون وليس مع الصورة. لم تكن تبعية المسلمين للإسكندر إذن لشخصه، بل لألوهيته خطوة على الطريق إلى أفلوطين.
وبتتبع النصوص وشروحها يلاحظ تقدم نحو التوحيد العقلي، والإيمان الفلسفي، ورد الكثرة إلى الوحدة في أشكال القياس، والأشكال الفرعية إلى شكل رئيسي واحد،
45
وبصرف النظر عن كون الشارح مسيحيا أم لا، وهل له مشروع حضاري مستقل عن وعي أو عن لا وعي، فإن تقدم الوعي الحضاري ومسار التاريخ يتجه من التنزيه العقلي إلى التوحيد، ومن الإيمان الفلسفي إلى الإيمان النابع من الوعي؛ فثامسطيوس في القرن الثاني يمثل مرحلة من ارتقاء الوعي، والإسكندر في القرن الرابع يمثل مرحلة أكثر تقدما للوعي، حتى يأتي القرن السادس الهجري. وقد اكتمل التقدم وتم الإعلان عن التوحيد كتصور عقلي موروث من الحضارة اليونانية القديمة، وإيمان موحى به من الحضارة الجديدة، بل يصل التعظيم لأرسطو وأفلاطون لدرجة وصف كل منهما بأنه إلهي قبل الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين، أفلاطون الإلهي وأرسطاطاليس الحكيم».
46
وقد ميز الإسكندر في رسالتيه «في النفس» و«في العقل» بين ثلاثة أنواع عن العقول: العقل الهيولاني وهو يعادل العقل بالقوة عند أرسطو، والعقل بالملكة وهو لا يوجد مثله عند أرسطو، وأقرب إلى الأفكار الفطرية والمبادئ والمسلمات، والعقل الفعال الذي هو أقرب إلى النور الذي يضيء المعقولات، وينقل العقل الهيولاني إلى عقل بالملكة؛ هكذا نقل الشراح اليونان التراث اليوناني حتى يتفق مع الجو المسيحي العام، حتى ولو لم يكن الشراح اليونان مسيحيين. ثم وجد المسلمون التراث اليوناني بعد نقله لخدمة المسيحية، جاهزا لعمليات التمثل والاحتواء الإسلامية خاصة مع الشراح اليونان، وربما أكثر من أرسطو الذي بعد العهد به، والذي قام بمهمته في وضع الشيء فقط دون تطويره. يتم الاعتماد على الإسكندر، والإحالة إليه كسلطة علمية والاستشهاد به، والإشارة إليه باحترام وتقدير.