تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

91

وقد تضاف ألفاظ القول مما يدل على تباعد بين المترجم وموضوعه، وأنه يتعامل معه ليس بمنطق الهوية ولكن بمنطق الاختلاف؛ فعادة بداية الفقرة بمقدمة من المترجم، وربما من الناسخ «قال ...» ثم يذكر اسم القائل لا تدل على تبعية نمطية، كما يحكم بذلك الاستشراق على عبارة «قال أرسطو» مسقطا عليها عادة اللاتين والمسيحيين في العصر الوسيط؛

92

فذكر أفعال القول عادة شائعة، ويستعملها القرآن طبقا لهذه العادة، لدرجة تساؤل العلماء هل هما من القرآن أم مجرد أمر. وقد يكون فعل القول مبنيا للمجهول، وقد يكون في المتكلم والمخاطب والغائب، مفردا أو جمعا. وتأتي ألفاظ مشابهة لأفعال القول مثل «أعني»، «أقصد» لشرح المعنى والتنبيه عليه.

كما يقتضي الأسلوب العربي التقديم للموضوعات، بالإحالة إلى السابق وبالإخبار باللاحق، حتى يتم ربط عناصر الموضوع مثل «التي تقدم ذكرها، من الروايات التي ذكرنا»، وأمثال هذه العبارات التي تحيل إلى السابق. كما يذكر كثيرا لفظ الاسم والمسمى والتسمية، مما يدل على وعي المترجم بالفرق بين الأسماء والمسميات، وأن الترجمة هي القدرة على إيجاد أسماء من لغة أخرى إلى نفس المسميات؛ فالمسميات واحدة والأسماء مختلفة. وقد تتعلق الأسماء ببعض المفاهيم الفلسفية مثل الأعراض، وإضافتها لوصف مجموعة من الصفات في مقولة واحدة، وذلك في حضارة تعرف الفروق بين الأسماء والمسميات، وأن الله علم الأسماء كلها.

93

وقد تغلب الإضافة على الحذف، والعبارة الشارحة على المترادفات طبقا لطبيعة الأسلوب الأدبي أو زيادة في الإيضاح؛ فغرض الترجمة ليس نقل النص اليوناني بل إعادة كتابته بأسلوب عربي لجمهور عربي.

94

يضيف المترجم كلمة «استدلال» على «الشيء الذي يحتاج إليه بالشيء الذي من أجله احتيج إليه».

95

وقد تكون الإضافة في العنوان لإبراز مضمون الموضوع؛ فالترجمة للموضوع وليس للعبارة، للشيء وليس للفظ. وقد تكون الإضافة لحسن التصوير وإكمال الصورة توضيحا للمعنى، الترجمة هنا قراءة وإعادة إنتاج وفهم وتصوير. وقد تكون الإضافة زيادة في بيان وظيفة الدواء ومنفعته؛ فالنص المترجم في الطب والمترجم طبيب يعرف الموضوع، ويترجمه ابتداء من معرفته السابقة لموضوع النص المترجم. وقد يكون الهدف من الإضافة نسبة الرأي إلى صاحبه، من أجل إبراز الاتجاهات من أجل وضع النص في السياق، مثل نسبة الرأي إلى صاحب التجربة، وهي فرقة من فرق طب المتعلمين. وقد تكون إضافة مترادف توضيحا للمعنى، بما يلقيه عليه الترادف من ظلال وإيحاءات جديدة.

ولا ينطبق الحذف والإضافة كقانون عام على كل النصوص المترجمة؛ فهناك نصوص أقرب إلى المطابقة مثل النصوص العلمية الدقيقة، كالطب، ودون بجمال الأسلوب.

96

ولا يتدخل الناقل أو الناسخ أو القارئ في تقطيع النص، وتقسيمه إلى أبواب أو فصول أو إلى وحدات صغرى تسبقها «قال جالينوس»، بل ويعترف حنين بمطابقة النص المنقول منه اليوناني مع الترجمة السريانية، وبمطابقة ترجمة حبيش من السريانية إلى العربية، والحكم بأنه نقل صحيح قدر الطاقة.

97

وعادة ما يخضع منطق الحذف والإضافة والتأويل إلى التصور الديني للبيئة المنقول إليها النص؛ فعندما يتحدث أرسطو عن المعنى المشارك في الإنسان والحيوان للدلالة على الجنس، فإن حنين بن إسحاق يحذف المشاركة مع الإله أيضا؛ لأن الله لا يشاركه في صفاته شيء، وأنه

ليس كمثله شيء ،

98

وكذلك يصف الجرم بأنه آلي، وليس إلهيا لعدم تأليه الطبيعة، واستعمال إلهي بالمعنى المجازي ؛ أي المنظم الذي يسير وفقا لقاعدة

كل شيء خلقناه بقدر .

99

وفي ترجمة قسطا بن لوقا في الآراء الطبيعية التي ترضى بها الفلاسفة لفلوطرخس، يتحكم التصور الديني في الترجمة عن طريق ترك لفظين معربين، كما يسميهما اليونانيون ذامريس وأراس، وتعني الجن وأنصاف الآلهة؛ لأنه لا يوجد في التصور الإسلامي أنصاف آلهة، ويستعمل بدلا عنهما الله والآلة وهي ألفاظ إسلامية، بل ويوصف الله بصفاته الإسلامية مثل الله جل وعز. وهناك مصطلحات دينية مشتركة لا حرج فيها مثل لفظ الكهانة. كان المترجمون حريصين على احترام التصورات الدينية الجديدة، واستعمال لفظ الله بدلا من المبدأ الأول أو العلة الأولى. وهذا ليس تحريفا ظاهرا بل خضوعا لمنطق التشكل الكاذب المزدوج، التعبير عن المضمون اليوناني بألفاظ إسلامية، أو التعبير عن المضمون الإسلامي بألفاظ يونانية. وقد يتعدى الأمر من مجرد الاستبدال اللغوي إلى التصورات ذاتها، والتصريح علنا بأن الله خلق العنصر الذي ليس مصورا، أو الصورة التي نسميها كمالا. وقد يستبدل بلفظ يوناني مثل الداناويون، الذي لا يثير أي معنى في ذهن القارئ العربي، لفظا إسلاميا مثل الحنفاء لاشتراك الاثنين في الغبطة والسعادة. كما حذف المترجم الله لعدم ضمه إلى العنصر (الهيولى)، والصورة تفردا له بالوحدانية ووصفه بأنه عز وجل، وبدلا من العلة الأولى يقول الله. كما يستبدل بلفظ الآلهة جمعا لفظ الله منفردا، وإذن ما لم يتحرج المترجم القديم عن عدم إضافة عز وجل بعد الله، فإن المترجم الحديث لا يحق له إضافتها لعدم وجود نمط واحد عن المترجم القديم. ويسقط وصف الله بأنه نار صناعي في الكون حرصا على التنزيه. وتضيف ترجمة الإسكندر إلى لفظ الله عز وجل.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٤٠