تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

100

وكل عبارات التمجيد في ترجمة جوامع كتاب طيماوس في العلم الطبيعي، من وضع المترجم حنين بن إسحاق، مثل الخالق تبارك وتعالى فقط، لا وربما من الناسخ لما كانت الترجمة عملا جماعيا، أو عز وجل، وكذلك ترجمة الآلهة بالملائكة؛ لأن الله فرد أحد صمد،

101

وكذلك يضيف عبد المسيح الحمصي الناعمي في ترجمة «أثولوجيا» إلى لفظ الباري عز وجل تعالى، بل إن الباري خالق للأشياء عز اسمه وأيضا الباري الحكيم، بل تستعمل العبارات الإسلامية مثل إن شاء الله تعالى،

102

بل إن إضافة صفات التمجيد لله تمتد أيضا إلى نصوص، قد لا تتفق مع التصور الإسلامي، مثل حجج أبرقلس في قدم العالم؛ فالخالق تعالى هو صفة لله في نص مترجم عن قدم العالم! كما تظهر المصطلحات الشرعية مثل الكفر بالله.

103 (4) الترجمة موقف حضاري

إعادة ترجمة المنطق حاليا عن اللغة اليونانية مباشرة، وهو بعيد للغاية، وعن الترجمات الغربية الحديثة خاصة الفرنسية، دون الموقف الحضاري القديم، ودون أخذ موقف حضاري جديد من الوافد الغربي، كما فعل قدماء المترجمين مع الوافد القديم اليوناني، استشراق خالص يقوم على اعتبار أن النص اليوناني هو الأساس، وأن الترجمة العربية المطابقة هي الفرع، وكلما كانت المطابقة تامة كانت الترجمة صحيحة. ولا يوجد نص أرسطي يوناني موضوع خارج رؤيته الحضارية، كما لا توجد ترجمة له خارج الرؤية الحضارية للمترجم ومقاصده.

104

وتكتفي التعليقات بشرح الألفاظ أو التعريف بأسماء الأعلام والأماكن، كما تفعل القواميس اللغوية والتاريخية والجغرافية الحديثة. وهي كاشفة عن الموقف الحضاري للمستشرق العربي المعاصر، الذي يخلو من أي موقف حضاري جديد بالنسبة للوافد الغربي، والذي أيضا لا يتفاعل مع الترجمة القديمة، من خلال تحليل الموقف الحضاري القديم؛ لذلك تقتصر التعليقات على الهوامش المدرسية، وتختفي شخصية الناشر بالرغم من تضخمها في مجالات أخرى، ويبدو قصير القامة في الهوامش بلا رؤية أو قصد. ولا يضير الترجمة العربية اختلافها مع الترجمات الأوروبية الحديثة، ولا تحسن باتفاقها معها؛ فالموقفان الحضاريان مختلفان. كذلك لم تخضع الترجمات اللاتينية والفرنسية والإنجليزية الحديثة، لنفس عمليات النقل الحضاري التي حكمت الترجمة العربية، نظرا لسيادة النزعة التاريخية ونظرية المطابقة.

الترجمة نقل حضاري للنص من حضارة أولى قديمة إلى حضارة ثانية حديثة، وليس مجرد نص منقول عن سياقه الحضاري. والنقل الحضاري خارج معيار الخطأ والصواب القاموسي، الذي يقوم على نظرية المطابقة وعلم المعاجم، وقواميس اللغة خارج التاريخ والحضارة والثقافة، بل إن الناسخ للترجمة كان له دور إبداعي يتجاوز مجرد النسخ، ويعتمد فيه على تلخيصات تالية معظمها من ابن رشد؛ فالنسخ جزء من العملية الحضارية كالقراءة، النص عمل جماعي منذ الترجمة حتى القراءة عبورا بالنسخ. وتلخيص ابن رشد للمنطق معبر عن رؤيته الحضارية المتأخرة، لإعادة النص الأرسطي الأول إلى نصابه ونشأته الأولى قبل تأويل الشراح، يونان ومسلمين، عودا إلى الأصل، وتمسكا بالنص الأول دون غيره من الشروح. وهو الموقف السلفي الشائع بالنسبة لأولوية النص القرآني على كل التفاسير حوله.

وفي حالة غياب الترجمة العربية القديمة لعمل من أعمال أرسطو مثل كتاب السياسة، قد يقوم مترجم حديث بإكمال هذا النص، ويترجمه ترجمة حديثة عن الفرنسية، وليس عن الأصل اليوناني. وقد ينقل الموقف الحضاري للمترجم الفرنسي في الترجمة العربية الحديثة؛ لأنه هو موقف المترجم العربي الحديث، للنظر إلى اليونان من خلال الغرب، أو لأنه ليس له موقف حضاري عربي قديم أو حديث، كما كان المترجم العربي القديم. يعتمد على الترجمة الفرنسية والإحالة إلى مصطلحاتها، وينقل هوامش المترجم الفرنسي؛ فالعلم لا وطن له. كما أن المراجعة على الترجمة اللاتينية القديمة لا تجدي؛ نظرا لاختلاف الموقفين الحضاريين للمترجم اللاتيني عن المترجم العربي القديم والمترجم العربي الحديث عن الترجمة الأوروبية؛ لذلك كان شرح المعنى القديم للقارئ الحديث تحصيل حاصل. ويدل على الموقف الحضاري للمترجم الحالي وجود معنى موضوعي للنص يأتي من داخله، ويمكن نقله من لغة إلى أخرى، ومن عصر إلى آخر، وهو التصور الغالب على الدراسات التاريخية في الغرب في القرن الماضي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٤١