تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

85

والغالب على المترجم الحديث الحكم بالزيادة لا بالنقص، فحكمه على المترجم العربي القديم أنه مسهب، مطيل، شارح، إنشائي في مقابل الغربي وأصله اليوناني الدقيق المركز المختصر، مع أن الزيادات في الترجمة العربية القديمة أقل بكثير من الحذف.

والإضافة أقل من الحذف؛ وذلك لأن درجة تركيز اللغة العربية أعلى من اللغة اليونانية. وقد يبدوان متعارضين، الحذف ضد الإضافة، والإضافة ضد الحذف. والحقيقة أنهما ضروريان ومتكاملان؛ فالحذف للزائد، والإضافة للناقص، وكلاهما يؤديان وظيفتين متشابهتين في الإيضاح والشرح ، والتصوير وصياغة الأسلوب وتطبيق المعنى وضبط الحكم؛ أي إعادة كتابة النص من حيث الأسلوب والمضمون. وقد تكون الزيادة لفظا أو عبارة، تطول أو تقصر طبقا لمتطلبات الزيادة ومقاصدها. قد تكون الزيادة في أحد المخطوطات، مما يدل على أن الشرح ربما كان عند النساخ، قبل أن يكون عند المترجمين، لا فرق بين يونان وعرب. قد تكون الزيادة للإيضاح والتدقيق وإبراز المعنى، سواء كان ذلك بزيادة في التفسير وتوخي الدقة العلمية، أو الاقتصار على لفظ عام مثل بلاد غريبة في حالة عدم معرفة اسم البلد.

86

وقد يكون الشرح عن طريق القلب، قلب السلب إيجابا والإيجاب سلبا، كما هو الحال في قضايا الكلام؛ فالله عاقل فطن، وتزيد الترجمة وليس لئيما، مرة إيجابا ومرة سلبا، ومثل زيادة ولا يتبعون التجربة «بعد» لأنهم يجهلون؛ فالترجمة شرح. وقد يكون التوضيح بالترادف من أجل تقوية المعنى وإبرازه، وإعطائه كل جوانبه وإيحاءاته عن طريق الكلمات، زيادة في الوصف.

87

وقد يكون الشرح لاستكمال الصورة وتدقيقها وتعميقها وبيان كل إمكانياتها؛ فالشرح مزيد من التصوير للتأثير على القارئ؛ فالمترجم مؤلف ثان يساهم معه في نفس القضية؛ فالصورة ليست القارب بل القارب والمجداف والمياه، أكبر تأثيرا في النفس من أحد عناصر الصورة.

88

وقد تكون الزيادة طبقا لمقتضيات الأسلوب العربي والبلاغة العربية، من أجل حسن الترجمة وجعلها أقرب إلى التأليف منها إلى الترجمة، خطوة أبعد من الانتقال من الترجمة الحرفية إلى الترجمة المعنوية؛ فالزيادة لا تكون باستمرار لضرورة المعنى، بل لمقتضيات الأسلوب بزيادة الأفعال أو الضمائر أو الأسماء. ولا يعني الأسلوب فقط التعبير عن الحال طبقا لمقتضيات المقام بل جماليات الأسلوب؛ فالترجمة عمل فني، وتتفاوت أساليب التعبير فيه. كما يستطيع الأسلوب إظهار التعارض بين فكرتين بطريقة أوضح وأكثر استرعاء للانتباه. ولكل لغة أسلوبها في العد والإحصاء والتعامل مع الأعداد، وفي البداية بالفعل أو بالاسم؛

89

فهناك لدى المترجم إحساس بالتمايز بين اللغتين اليونانية والعربية، في الأسلوب وطرق التعبير والإفصاح ووسائل البلاغة.

90

وقد يكون الهدف من الإضافة تخصيص الحكم، كما أن الهدف من الحذف هو تعميمه، كنوع من الإيضاح والتدقيق؛ فالرجل يصبح أمر الرجل، والقوم يصبح القوم الفقراء، والمباراة تصبح كبيرة، ورداءة الكرنب تصبح لجميع الناس. ويهدف تخصيص الحكم إلى إبراز القصد وسرعة الإقناع، مثل وصف الأسنان بأنها سوداء ومتآكلة ومعوجة وفاسدة، وتوضيح نوع العملة المحلية. ويكون التخصيص بظروف الزمان والمكان، وبإضافة الصفات وجميع أنواع أسماء المفعول والزيادات وأدوات الربط في الجملة. وقد يتم التخصيص ببيان العلل والأسباب وإظهار الأبعاد النفسية للموضوع. وقد يتم تخفيف الحكم أو تقويته عن طريق الإضافة، لإحداث ميزان التعادل في الأحكام، وحتى تكون أقرب إلى الدقة العلمية، تخفض الأحكام العالية الصوت، وتقوي الأحكام الضعيفة المنخفضة الصوت. وربما يخفف الحكم لبعض الحياء الوارد عند المترجم أمام النصوص المكشوفة، مما لا يجوز ذكره أو ترجمته حرفيا. وفي حالة تقوية الحكم يضاف لفظ «جدا» أو وصف زائد مثل «رديء» أو «جيد» أو «أبدا».

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٣٩