تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا توجد ترجمة عربية رديئة، بل تعديل للصورة والتركيز على المعنى، مثل استبدال ولادة الحيوان بوضع البيض، واستبدال مخرج الفضلات هو نفسه سبيل الزواج إلى فضلة البول.

40

ويمكن ترجمة كل لفظ أكثر من معنى، طبقا لإيحاءات اللفظ والرغبة في زيادة شحنته أم خفضها من أجل التأثير في القارئ؛ فالفعل الذي يفيد تأكيد القول والجهر به في اليونانية، قد يترجم بفعل يزعم؛ فكل تأكيد زعم،

41

ولكن ليس من المعقول أن الترجمة العربية لا تؤدي أي معنى، وإلا ما كانت ترجمة وما كان المترجم مترجما، أو أن المترجم العربي لم يفهم عبارة تفصيلية في وصف أجزاء السمكة، إذا كانت لا تؤثر في الدلالة العامة. وما دامت الترجمة العربية تؤدي المعنى، فلا يهم مطابقة اللفظ باللفظ، والحرف بالحرف، والعبارة بالعبارة. والحكم على الترجمة بالغريبة أو البعيدة يرجع إلى الحاسة اللغوية للمترجم، وإدراكه للمعنى قريبا أو بعيدا. والاكتفاء بالدلالة الكلية دون التفصيلات الجزئية في النص الأول لا يكون ترجمة بعيدة.

ولا توجد ترجمة تقلب المعنى رأسا على عقب لتغيير أدوات النفي، وإلا لما تأسست علوم الحكمة ولما تزاوج الوافد مع الموروث في إنشاء الحضارة. ولكل لغة طرقها في النفي والإثبات عن طريقي نفي النفي للإثبات ونفي الإثبات للنفي، بصرف النظر عن وضع أدوات النفي أمام النفي. لا توجد ترجمة تفهم عكس المعنى المقصود وإلا كانت خبلا؛ لأنها تتم بالقصد والغرض.

وتخضع جماليات الأسلوب العربي إلى اختلاف الإحساس بجماليات اللغة من القدماء إلى المحدثين، ومن مترجم إلى مترجم قديم أو حديث؛ فما قد يظنه مترجم ركيكا قد يكون عند مترجم آخر بليغا.

42

ويلاحظ الناشر الحديث بين الحين والآخر حسن اختيار المترجم العربي القديم، فإذا ما تطابقت الترجمة العربية مع النص اليوناني، وآثرت الإبقاء على النص الأول مع التضحية أحيانا بجماليات الأسلوب العربي؛ لأن المترجم ليس له ميزان من ذهب لقياس طبيعة الحركة من اللفظ إلى المعنى، والتوتر بين الترجمة الحرفية والترجمة المعنوية، اتهمت الترجمة العربية بأنها حرفية ولم تتجاوز العبارة اليونانية! ففي كل الحالات الترجمة العربية غير دقيقة، إذا التصقت بالمعنى وضحت باللفظ، وإذا التصقت باللفظ وضحت بالمعنى.

43

ولا تختلف الترجمات الأوروبية الحديثة عن الترجمات العربية القديمة في الحذف والإضافة، والتأويل والقراءة والتأليف غير المباشر، فتلك طبيعة الترجمة. إلا أنها في الترجمة العربية سقط وتحريف وسوء فهم، وفي الترجمة الغربية احتمالات وترجيحات واختلافات بين الترجمات.

44

ولا يعني كل اختلاف بين النص اليوناني والترجمة العربية أي خلط أو لبس، أو تشويش أو سوء فهم، بل يعني اختلاف الأسلوب العربي عن الأسلوب اليوناني طبقا لمقتضيات البلاغة، مثل القسم بالله «بحق هرقل»، «سألتك بالله معطي الحياة» بدلا من زيوس المشتق من لفظ الحياة، والحياة صفة من صفات الله. وقد يكون معنى لفظين مختلفين معنى واحدا في ذهن المترجم العربي، الذي يريد معرفة القصد الكلي للنص دون الفروق بين المعاني الجزئية. وأحيانا يكون الخلاف بين النص والترجمة في إحساس المترجم، والفروق بين المترجمين بين الترجمة الحرفية والترجمة الأدبية، بين معنيين مثل الخداع والغفلة اللذين يدخلان كلاهما تحت نوع ثالث هو الرذيلة. والإعلان في النص اليوناني بشارة في الترجمة العربية، خاصة وأن المترجم مسيحي.

45

وهذا لا يمنع بطبيعة الحال من الخلط بين لفظين متشابهين صوتيا من حيث الألفاظ، ولكن ذلك لا يؤثر في المعنى المقصود نقله من حضارة إلى أخرى.

46

وإذا كان للفظ اليوناني ترجمتان واختار المترجم العربي القديم الأول، فلا يعني اختيار المترجم الحديث المعنى الثاني أي خطأ في اختيار المعنى الأول، وكلاهما معنيان محتملان، وإنما هي القدرة اللغوية والإحساس بالمعنى، هو الذي يحدد أحد الاختيارين. وفرق بين إحساس القدماء وإحساس المحدثين؛ فالفرق ألف عام والموقف النفسي والحضاري بين الاثنين مختلف. الترجمة ليست فقط نقلا للمعنى، بل أيضا أداء للفظ؛ ومن ثم قد تحول الترجمة العربية النص اليوناني الركيك إلى أسلوب عربي بليغ.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٣٣