35
ولا يوجد خطأ وصواب في الترجمة؛ لأن اللفظ لا يفيد فقط معناه القاموسي المعجمي، ولكنه يفيد في سياق أعم. قد يتغير الضمير بين الجملتين أو العدد طبقا لبناء الجملة العربية. وقد يتغير اللفظ مثل المسألة إلى العلة من أجل تدقيق المعنى وإبراز الخاص من العام. كما لا يعني الخطأ قياس العلم القديم على العلم الحديث. العلم القديم له مستوياته وفلسفته وتصوراته المغايرة للعلم الحديث مثل وظيفة المرة.
36
ما يسمى خطأ هو في الحقيقة دمج لعدة ألفاظ في لفظ واحد، تجاوزا للتفصيلات الجزئية وحفاظا على الصورة الكلية، وبهذا المعنى لا يوجد في الترجمة العربية كثير من الأخطاء، بل تجاوز للتفصيلات للمعنى الكلي، لا يوجد تحريف في الترجمة؛ لأن التحريف لا يوجد إلا على مستوى الألفاظ، والترجمة تتم على مستوى المعاني. ولا توجد ترجمة رديئة ما دامت تحافظ على المعنى أولا، وعلى جماليات الأسلوب ثانيا. وما يسمى خطأ في الترجمة مثل استبدال تامة بمتميزة ومستقلة نوع من التصور الثقافي للمعاني؛ فالمتميز المستقل في ثقافة هو التام في ثقافة أخرى.
ولا يوجد خطأ في الترجمة العربية؛ فالترجمة ليست نقلا حرفيا، حرفا بحرف، وفعلا بفعل، واسما باسم، وأداة بأداة؛ فلكل لغة أسلوبها؛ فقد يبرز الفاعل في الترجمة توضيحا للمعنى، بالرغم من أنه متضمن في الأصل.
37
والنص الأصلي له جهاز نقدي تفصيلي، يعطي المادة التفصيلية الخام التي يمكن تحليلها من أجل العثور على منطق النقل الحضاري، وذلك مثل «تعبير الرؤيا» لأرطميدروس أو «تاريخ العالم» لهورسيوس أو «المقالة الرابعة عشرة من كتاب طبائع الحيوان البحري والبري» لأرسطوطاليس، ترجمة يحيى بن البطريق من اليونانية.
38
ودون التعرف على هذا المنطق الدقيق قد يقال إن الترجمة العربية غير دقيقة. والحقيقة أن هذه الدقة تعني الحرفية، والترجمة العربية ترجمة للمعنى وليس للفظ، أقرب إلى تلخيص المعنى والتعبير عنه، في أقل قدر ممكن من الألفاظ طبقا لتعريف البلاغة العربية، فلا تحاسب الترجمة لفظا بلفظ طبقا لترتيب الجملة اليونانية أو لعدد ألفاظها؛ إذ تقتضي الجملة العربية ترتيبا آخر وألفاظا أقل. دقة المعنى هو الخاص وقد تتجاوزه الترجمة إلى العام من أجل إعادة توظيفه والتعبير عنه. قد تكون الترجمة غير دقيقة، ولكنها أجمل أسلوبا وأوضح تعبيرا وأسهل فهما، ويمكن التعبير عن المعنى بأكثر من طريقة، وكل الطرق صحيحة. وإن إسقاط بعض الألفاظ من النص اليوناني لا يعني أن الترجمة العربية غير دقيقة، بل يعني أنها مركزة وواضحة المعنى، أكبر قدر من المعاني بأقل قدر من الألفاظ. ولا توجد ترجمة رديئة تطمس معالم النص الأول؛ لأن المقصود من الترجمة ليس الحفاظ على تضاريس النص الأول، بل وضع تضاريس ثانية من البيئة الثقافية للنص الجديد. ولا يعني قلب الترجمة الإيجاب سلبا منفيا، والسلب إيجابا منفيا أي خروج على النص الأول؛ فلكل لغة طرقها البلاغية في النفي والإثبات. كما أن لكل لغة ذوقها، فإذا أشار النص اليوناني إلى أن الطبيعة كالرجل العاقل، فإن الذوق العربي يقتضي الحديث عن الطباع والفطرة الخيرة، ولكل لغة أسلوبها في الشرط والحذف، ولكل لغة بلاغتها في التركيز والاطناب، في التقديم والتأخير. وإذا كان غرض أرسطو وصف الحيوان، فإن غرض المترجم دلالة الحيوان؛ أي علم الحيوان كجزء من العلم الطبيعي، والعلم الطبيعي كجزء من علوم الحكمة.
39
ولا يعني وجود فرق شاسع بين النص اليوناني والترجمة العربية أي نقص في الترجمة؛ فالترجمة لا تعني موازاة كمية النص اليوناني لفظا بلفظ وعبارة بعبارة، بل التقاط المعنى من عل، من سياق العبارة ومن المعنى الكلي لها، ثم إعادة التعبير عنه بألفاظ أخرى، من اللفظ اليوناني إلى المعنى، ثم من المعنى إلى اللفظ العربي، وليس من اللفظ اليوناني إلى اللفظ العربي.