47
وأحيانا تعيد الترجمة العربية بناء الحوار وقسمته بين الشخصين، فيقل أو يزيد الحوار من شخص إلى آخر على خلاف النص اليوناني؛ فأسلوب الحوار يختلف من لغة إلى أخرى. وقد تكون العبارة في الترجمة العربية على لسان شخص آخر، غير الشخص الأصلي في النص اليوناني؛ فالمهم هو منطق الحوار وموضوع الحوار وليس شكل الحوار، وتبادل الحوار بين السائل والمحب ليس خطأ في الترجمة، بل إعادة بناء للحوار وتجميعه بدل تقطيعه، فيضيع جمال الأسلوب. وقد تنقل عبارة من موضعها إلى موضع آخر، ومن شخص إلى شخص، حسب مقتضيات أساليب الحوار العربي وجماليات الأسلوب. وقد يقتضي الحوار تغيير الضمائر من المتكلم إلى المخاطب،
48
بل قد يتعدى الأمر إلى إعادة بناء الموضوع كله؛ فالتغيير ليس فقط في الألفاظ والعبارات أو الفقرات، بل في إعادة ترتيب الفصول والأبواب وإعادة تركيب النص من جديد؛ فالترجمة تأليف.
49
ومن مقتضيات الترجمة استبدال الأمثلة المعروفة العربية بالأمثلة غير المعروفة اليونانية، حتى يتم توضيح المعنى بإحالة المجهول إلى المعلوم وليس المجهول إلى مجهول. وهذا الاستبدال هو بداية الشرح والتلخيص؛ فالمسافة بين الترجمة والمراحل التالية لها متصلة وليست منفصلة. ويمكن تحويل أسماء الأعلام إلى معان خاطئة لو كان الاسم نسبة مثل المحار؛ فالاسم مشتق من المهنة. ولا يهم دقة المثل وترجمته بل دقة الممثول؛ فالمثل ما هو إلا حامل للممثول.
50 (3) الحذف والإضافة
وقد وقع الحذف والإضافة أيضا في الترجمة العربية القديمة لكتاب الأخلاق.
51
وقد ترجع احتمالات الإضافة إلى إضافة في النص اليوناني نفسه أو في النسخ العربي، ولكنه في الغالب مقصود من المترجم تركيزا على المعنى واستبعادا للإسهاب غير الدال وغير الضروري لفهم المعنى. ويتدخل المترجم بعبارته خارج النص المترجم ويعلن عن حذفه، ويبرره مصححا اقتباس أرسطو من شعر أسيودوس ويذكر الشعر الصحيح. الترجمة إذن مراجعة للنص المترجم وتصحيح لشواهده بالرجوع إلى مصادرها الأصلية. يتحول أرسطو إلى آخر، ويتم الحديث عنه في صيغة الغائب المفرد.
52
ويحذف الناشر الحديث عبارة المترجم هذه باعتباره خارج النص، مع أنها جزء من عمل الترجمة بمعنى التصحيح والمراجعة. وقد يضيف المترجم لفظ «الطيور» مع الكلاب ربما لأنها في النص اليوناني الذي كان عنده، والذي لم يكن عند المحدثين، وربما لأنه أفيد لشرح المعنى باستعمال مثلين، الطيور مع الكلاب، وتخفيفا لوقع الكلاب بالطيور؛ فالترجمة تقوم على إحساس مرهف باللغة؛ فالزيادة في الترجمة العربية لا ترجع فقط لأن المخطوط اليوناني الأصلي قد كان مختلفا عن المخطوط اليوناني الموجود حاليا، بل لأن هذه الإضافات بدايات التعليق والشرح والعرض والتأليف في صورها الأولى.
قد يكون الحذف تمزقا أو نقصا في الأصل اليوناني، مسموح به استكماله عند الناشر الحديث وليس عن المترجم القديم .
53
وقد يكون حذفا مقصودا نظرا لما تتميز به اللغة العربية من تركيز أكثر من اللغة اليونانية؛ فالترجمة ليست حرفية بل نقل معنى النص اليوناني من تركيب الجملة اليونانية إلى تركيب الجملة العربية، ومن الأسلوب اليوناني إلى الأسلوب العربي. وإذا كان الحذف أكثر من الإضافة عند المترجم القديم، فقد تكون الإضافة أكثر من الحذف عند الناشر الحديث لرغبته في الشرح والتوضيح.
54
لا يجوز للناشر الحديث إكمال الناقص في الترجمة القديمة؛ لأنه بذلك يغير موقفها الحضاري ويفرض موقفا جديدا عليها ليست منها؛ فالترجمة القديمة للمعنى والحديثة للفظ،
55
وقد يرجع الحذف إلى غياب فعل الكينونة في اللغة العربية، كما لاحظ الفارابي بعد ذلك، وكذلك حذف كل ضمائر التوكيد التي تجعل المعنى مشحونا بالإيحاء، مما يتنافى مع القصد الهادئ نحو المعنى.