تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليست الترجمة حرفا بحرف، ولفظا بلفظ وعبارة بعبارة، بل قد تكون تلخيصا وشرحا عن عمل المترجم نفسه؛ فالمترجم ملخص وشارح ومعلق، وهي العناصر الأولى في التأليف، وهي الترجمة المعنوية الكلية للعمل برمته، ولبس لبعض العبارات أو الفقرات. قام المترجم نفسه بالتلخيص والشرح، بالحذف والإضافة، قبل أن يقوم بهما الفيلسوف في عملية متصلة تبدأ بالنقل وتنتهي بالإبداع.

وهذا هو ما تم في ترجمة كتاب «الشعر» الذي يصعب فيه معرفة الفرق بين الترجمة والتلخيص والشرح والعرض والتأليف؛ فكلها مراحل متتالية لعملية التمثل والاحتواء للوافد داخل الموروث. وينبه المترجم على ذلك بعدة عبارات التذكير والربط، مبينا أنه يتعامل مع الموضوع أكثر مما يتعامل مع النص، مع المعنى أكثر مما يتعامل مع اللفظ؛

19

فالمترجم يعود إلى الموضوع ويراجعه، ويغير أمثلته ويستبدل بها أمثلة أخرى أكثر تعبيرا عن المعنى؛ لتقريب المعنى الذي يقصده المؤلف الأول، أرسطو اليوناني إلى القارئ الثاني العربي؛ فالمترجم هنا قارئ عربي أول ومؤلف ثان. ولم يحدث ذلك في الترجمات العربية القديمة وحدها، بل حدث أيضا في الترجمات اللاتينية للنصوص اليونانية ولترجماتها العربية وشروحها وملخصاتها، مع استحسان الدارسين لذلك لدلالته على أن كل ترجمته إبداع من اللاتين المترجمين لليونان وللعرب في معيار مزدوج. استعمال المطابقة كمقياس للترجمة العربية والقراءة كما قياس للترجمة اللاتينية.

ولا يجوز للناشر الحديث أن يحذف الزائد أو أن يضيف الناقص، وكأن النص اليوناني هو الأصل، والنص العربي هو الفرع الذي يقاس على الأصل، طبقا لنظرية المطابقة تحت أثر النزعة التاريخية التي سادت الاستشراق في القرن الماضي؛

20

فالمترجم الأول له موقف حضاري، وهو نقل النص اليوناني من بيئته اليونانية إلى بيئة عربية جديدة، مما يجعل الترجمة إعادة كتابة للنص وتأليف ثان. ولما كانت الزيادة الشارحة أكثر من الحذف لغير الدال، بدا الناشر الحديث حاذفا الزيادة أكثر من إضافة الناقص؛ ومن ثم يصبح تحليل الإضافة والحذف من المترجم الأول، وحذف الإضافة وإضافة الحذف من الناشر؛ أي المترجم الثاني، يكشفان عن موقفين حضاريين مختلفين، هو الأول في البداية والثاني في النهاية، الأول في عصر الانتصار والثاني في عصر الهزيمة، الأول في عصر تكوين المشروع الحضاري والثاني في عصر نهايته.

وقد تمت صياغة هوامش نشر «أجزاء الحيوان» لأرسطو، ترجمة يوحنا بن البطريق طبقا لنظرية المطابقة، ومقارنة النصين لمعرفة زيادة الترجمة أو حذفها بالنسبة للنص اليوناني.

21

ليس في الترجمة نقص لا بد من إكماله بالعود إلى النص اليوناني، بل تركيز على المعنى طبقا لقواعد البلاغة العربية وبنية اللغة العربية، أكبر قدر ممكن من المعاني في أقل قدر ممكن من الألفاظ. وليست القضية أن لها مقابلا في النص اليوناني أم لا، بل القضية هي الترجمة في ذاتها في إعادة كتابة النص في بيئة ثقافية جديدة، بل إن النقص في الترجمة بسبب خرم المخطوط وإكماله بالترجمة الحديثة عن النص اليوناني، لا يتسق مع الترجمة القديمة نظرا لاختلاف الموقفين الحضاريين في النوع وليس في الدرجة، بالرغم من انتساب المترجمين إلى حضارة واحدة. كان المترجم القديم ينقل حضاريا ويعيد كتابة النص بغاية إثراء الداخل بالخارج، في حين أن المترجم الحديث يبغي المطابقة، خدمة للنص الأول وذيوعه خارج حدوده طبقا لتقابل المركز والأطراف؛ لذلك يطلق على الترجمة لفظ التفسير لبيان أنها لا تعني المطابقة بين النصين بل القراءة، قراءة النص الثاني للنص الأول.

22

يعني الحذف نوعا من التركيز وتجنب التكرار مثل جمع المخالب كلها في اسم واحد دون تفصيل، للإبقاء على الدلالة الكلية بارزة بدل أن تضيع وسط التفصيلات.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٣٠