15
وهو ما قرره الأصوليون جميعا بل والحكماء والصوفية والنحويون والبلاغيون، وما يتفق مع الحس السليم؛ لذلك ارتبط كتاب «العبارة» بكتاب «النفس». والصدق والكذب في العبارة؛ لأنها في التركيب والتفصيل؛ أي في شكل القضية وصورة الفكر، وليست في مضمونه بالمطابقة مع الواقع، النفسي أو الفعلي، المطابقة مع الواقع رؤية جديدة للصدق في الحضارة الناشئة أولا تأكيدا للعالم، ثم في الحضارة الغربية الحديثة ثانيا اكتشافا للعالم وللمصدر الطبيعي للمعرفة ورد فعل على إنكاره في الفلسفة المدرسية. أما الأقوال الخطابية والشعرية فإنها خارج الصدق والكذب بهذا المعنى الطبيعي؛ فالمقصود منها الإقناع والتخييل وإحداث الأثر في النفس. وقد يتم التضحية بالنحو في سبيل الشكل الهندسي للقول، وهو ما يبدو من أشكال القياس اللامتناهية الأقرب إلى المربعات الهندسية؛ حيث يظهر فيها الإنسان مجرد لفظ في قضية، ونقطة في خط، وخط في خطوط متوازية؛ مما دفع بالأصوليين إلى نقد الصورية والعودة إلى الواقع، وتكامل المنطق في الخبرة البشرية العامة. ولو برع الفلاسفة المسلمون في اكتشاف أشكال جديدة للقياس مثل الشكل الرابع، أو تعديل أشكال قديمة بالضم أو الفصل، بالحذف أو بالإضافة، فإنما يتم ذلك أيضا باسم العقل وبمزيد من الإحكام العقلي. وعمل العقل على نفس مستوى ثقافة الآخر لضمه واحتوائه كحليف وليس كغريم، كصديق وليس كعدو. والحقيقة أن الموقف الأول مكمل للثاني في مهمتين متمايزتين، الضم والرفض، الاحتواء والنقد، الجذب والطرد.
16
وما دام المنطق أشكالا هندسية فما أسهل اللعب بها كالمكعبات للأطفال! وهذا هو سبب الإسهاب والتطويل والحاجة إلى التركيز والاختصار، والتحول من مستوى الشكل إلى مستوى اللغة؛ فما ظنه المناطقة أنه أشكال قياس بتبادل الأوضاع بين المحمول والموضوع، قد يكون مجرد تقديم أو تأخير في اللغة؛ لذلك نشأ الصراع بين المناطقة والنحويين؛ كل فريق يرى أن موضوع الفكر داخل في علمه بالرغم من مشاركتهما معا في نفس الموضوعات،
17
فإذا ما بالغ المناطقة في تحليل القضية وعكسها وقواعد القلب والعكس، والتضاد بين الكل والجزء والسالب والموجب، يجعل المضمون يثور ضد الشكل فيثور الفقهاء ضد الحكماء، ويرجحون أساليب القرآن على منطق اليونان. هل التعامل مع الأغنياء والفلاحين يكون بأشكال القياس وأسوار القضايا والنفي والإيجاب أم بالصراع الاجتماعي؟ وقد حاول الحكماء أن يقوموا بدور الوساطة بين المترجمين والفقهاء من أجل تحويل المنطق إلى لغة، كما حاول الكندي والفارابي، تحويل أدوات النفي من أسوار للقضايا إلى نحو، والضد في النفي إلى تغيير الألفاظ. وإذا دخل الزمان في التحليل «تقابل المستقبلات الممكنة»، يكون على نحو صوري، مع إغفال زمان اللغة وزمان الفعل والزمان التاريخي.
18
ومع ذلك يظل كتاب القياس والبرهان خاصة يثيران الذهن الذي يضجر من الصورة بلا مضمون، ومن كون الصدق والكذب في أشكال القضايا، وليس في إحالتها إلى مادة في الذهن أو النفس أو الواقع. وإذا كان القياس مقدمة للبرهان وليس أصلا مستقلا فلأن الغاية هو العلم البرهاني، وهو ما يتفق مع الحضارة الحيوية، القائمة على طلب البرهان. ومع ذلك تظل للمنطق ميزة أنه يمكن تطبيقه في أي موضوع. وقد استفاد منه القدماء خير استفادة، واستطاعوا تجاوز ازدواجية الثقافة بتركيب المنطق على النحو، وازدهرت الحضارة الإسلامية كنظرية في العقل طبقا لروح العصر القديم. والسؤال الآن: كيف يمكن التحول من روح العصر القديم إلى روح العصر الجديد، وتجاوز ازدواجية الثقافة المعاصرة بين المنطق القديم والمنطق الجديد، بين الشكل والمضمون، بين الجوهر والعلاقة، بين الثبات والحركة، بين الهوية والتناقض، بين الفكر والواقع؟ (2) الترجمة قراءة