ويتم النقل الحضاري كلما كان المنقول عقلانيا طبيعيا أو أخلاقيا سياسيا كان نقله من الحضارة القديمة إلى الحضارة الجديدة أسهل وأكثر هدوءا وأقل تأويلا، مثال ذلك ترجمة كتاب «المقولات» لأرسطو؛ إذ يمتاز الكتاب بأنه عقلي بديهي لا يرفضه العقل؛ وبالتالي يتفق مع أساس الحضارة الجديدة. كما يمتاز بأنه بحث في اللغة وتحديد معاني الألفاظ، وهي موضوعات مرتبطة بالحضارة الناشئة عن طريق الوحي باعتبارها كلاما، لفظا ومعنى، وباعتبار حضارة العرب قبل الوحي في الشعر، فالحضارة الناشئة حضارة كلمة وكتاب «المقولات» منطق اللفظ، ومن هنا أتى الاتفاق.
10
وإن البداية بتحليل العبارات والقضايا لهي بداية منطقية لتحليل الكلام، فإذا كان الموضوع هو الكلام، فإن المنطق بالضرورة يكون منطق قضايا. وقسمة المنطق قسمة بديهية، مثل قسمة الشيء إلى ما في الذهن وما في الخارج، وتطابق كثيرا قسمة الوحي
وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون . والتدرج الذهني في المنطق مثل التدرج الذهني في الطبيعة، الأجناس والأنواع والعقول العشرة، محمول المحمول، الأجناس والأنواع. المقولات العشر مثل الجوهر والأعراض، الذات والصفات، الشمس وأشعتها، الجوهر قرصها، والأعراض التسعة خارجة منها، لا فرق إذن بين المنطق والطبيعة من حيث البنية الذهنية، وهي البنية القائمة على قسمة الشيء إلى المركز والمحيط، والإيجاب والسلب ، والأصل والفرع، والكل ولا شيء، والتي ظهرت في الأشعرية والتصوف.
وتضاف إلى المقولات العشر مقولات أخرى، تعتبر استطرادا لها، مما يشكك في صحة نسبتها إلى مجموعة المقولات. ولما كانت الصحة التاريخية ليست موضوعا عقليا، تظل هذه المقولات موضوعات تعبر عن نفس البنية الذهنية مثل التقابل والتضاد، والتقدم (والتأخر)، والمعية (والتتالي)، والحركة (والسكون).
11
وقد تغيب من لواحق المقولات ألفاظ أخرى، تظهر في الشروح؛ فالتقابل والتضاد ضدهما التساوي والهوية والتشابه، والتقدم يحيل إلى التأخر، والمعية تحيل إلى التتالي، والحركة تشير إلى السكون؛ فهي كلها أسماء بالإضافة أو بالضد. وقد يتحول الموضوع من حالة خاصة إلى حالة عامة؛ فالمتقابلات هي التقابل، ومن الجمع المتقابلات إلى المفرد التقابل، حتى يصبح الموضوع عقليا صوريا خالصا يعبر عن بنية العقل؛ فهي مقولات خارج العشرة؛ أي خارج الجوهر والأعراض، تتعلق بعلاقات أخرى مثل الشيء في مقابلة، الشيء وضده، الشيء في الزمان (التقدم أو التأخر) أو في المكان (المعية أو التتالي). علاقة الهوية والاختلاف، والهوية والتضاد تعبر عن قوانين العقل الثلاثة: الهوية والاختلاف والثالث المرفوع، أو عن الشيء في التاريخ، التقدم والتأخر، والمعية والتتالي. وقد تحول ذلك في الحضارة الناشئة إلى التقدم والتأخر وأنواعه بالرتبة أو الشرف وإلى أنواع الأضداد؛
12
فالتقدم أكثر من أربعة أنواع: الزمان، والوجود، والرتبة، والشرف. هناك تقدم بالعلية، وتقدم الفكر على الوجود، وتقدم المفهوم على الماصدق أو العكس، التقدم بين الحكم والشيء، بين المحمول والموضوع. وهناك التقدم المنطقي، تقدم الأجناس على الإطلاق.
13
وفي أنواع الحركة يظهر التضاد في ستة مقولات: التكون والفساد، والنمو والنقص، والاستحالة والتغير في المكان. ويبدو أن المنطق ليس بهذا التجريد، إنما هو نظير لواقع حسي، ويظهر ذلك في سؤال: هل الكلية مقولة أم علاقة؟ وآثار ذلك على الملكية في إثباتها؛ لأنها جوهر أو لأنها علاقة بدليل نفي ملكية الزوج للزوجة.
14
وفي كتاب «العبارة» يبدو المنطق كنظرية في الفكر بديهية هندسية، تبدأ من الأخص إلى الأعم؛ فالمقولات تمثل الألفاظ، والعبارة القضية، والقياس العلاقة بين قضيتين، والبرهان شرط أن تكون العلاقة منتجة صحيحة في منطق اليقين. وفي منطق الظن قياس آخر. يهدف الجدل إلى التمويه، والسفسطة إلى المغالطة، والخطابة إلى الإقناع، والشعر إلى التخييل. وهندسيا المقولات هي النقطة، والعبارة مجموع النقاط التي تكون خطا، والقياس خطان متوازيان، والبرهان الموازيان لثالث متوازيان. وعلى هذا النحو يكون المنطق نظرية في الفكر تقوم على البداهة الهندسية. ويكون السؤال: هل يمكن تصور نظرية أخرى في المنطق أو قسمة أخرى غير ثنائية ثم رباعية، أم إنها قسمة عقلية يتقبلها كل عقل، إنسانية عامة، وليست يونانية أرسطية بالضرورة؟ والحديث هنا عن منطق الفكر وليس منطق الواقع؛ أي عن نظرية الاستدلال، الفكر مع نفسه أو الجدل، الفكر في حوار مع الآخر؛ فالواقع مفهوم جديد في الحضارة الناشئة أولا ثم رد فعل في الحضارات الغربية الحديثة ضد الفلسفة المدرسية ثانيا. وقد اتبع الأصوليون القدماء تحليل الألفاظ والقضايا، ليس لأنهم عرفوا المنطق القديم، بل لأن الحضارة الجديدة تقوم على اللغة والكلمة، اللغة في الشعر والكلمة في الوحي. والبدء بتعريف الألفاظ وحدودها، هي بداية طبيعية للفكر في تحديد معاني الكلمات، موازيا للمنطق القديم وليس تابعا له؛ فأرسطو هو الأصولي وليس الأصولي هو أرسطو، الفرع لا يكون أصلا، والأصل لا يكون فرعا. ليس النظر على مستوى تاريخي في الأسبقية في الزمان، بل على نحو حضاري؛ أي التمايز بين الأنا والآخر، بل إنه في حالة النظر التاريخي فإن آدم، في الحضارة الناشئة، هو أول البشر، وهو الذي عرف الأسماء كلها وراجعها، وتحقق من صدقها وحسن استعمالها. مبحث الألفاظ إذن هو المدخل اللغوي للمنطق، يليه بحث المعاني؛ فالصوت دال على الآثار التي في النفس،