تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

إن اختلاف الترجمات ليدل على التوجه نحو المعنى؛ فالسوفسطيقا تعني التظاهر بالحكمة أو مباكتة السوفسطائيين، الأولى اشتقاقا والثانية موضوعا، كما تعني «التبصير بمغالطة السوفسطاليين «وزيادة» التبصير» من أجل التنبيه والتحذير؛ فالعلم ليس نظريا فقط، بل توجه عملي وإرشاد سلوكي. ولا توجد ترجمة إلا وعليها تعليقات بألوان مختلفة من النساخ والقراء، مما يدل على أنه منذ بداية النقل كان الشرح والفهم والتعليق، وأن القارئ مؤلف مشارك بالترجمة والشرح والتفسير والقراءة والتعليق إذ كان قارئا عالما.

10

الغرض من التعليق البحث عن المعنى وتصحيح اللفظ عن طريق المعنى، فإن صعب العثور على المعنى، لم تبق إلا الترجمة الظاهرية للفظ، إلى أن يتم العثور عليه.

11

المترجم شارح وملخص لا إرادي، وليس ذلك ضد العلم بل متسق مع الموقف الحضاري وهو علم؛ فالعلم رؤية حضارية وإبداع جماعي وليس نقلا طبق الأصل، وإثبات كل الترجمات والمقارنة بينها من أجل إثبات المعاني المستقلة فيما وراء الألفاظ. والمترجم الجيد هو الفاهم لمعاني النص، وليس فقط العارف بألفاظ اللغة التي يترجم منها وإليها، متصورا إياها تماما كتصور المؤلف الأصلي لها؛ فالمترجم مبدع مثل المؤلف وعارف باللغة واستعمالاتها مثله، فإن لم يكن المترجم غير قيم بمعاني النص دخله الخلل.

12 (3) الترجمة مشروع قومي

الترجمة عمل جماعي، قد يقوم كل مترجم بترجمة مقالة من كتاب، ويتعاون عديد من المترجمين في نقل الكتاب كله، ثم يتداخل التعليق والسريع مع الترجمة، حتى يمكن حصار الوافد وابتلاعه وهضمه وتمثله؛ فالنص أشبه بالسيناريو والشرح هو الإخراج والتجميع هو المونتاج،

13

فهناك ترجمات وشروح عديدة لكتاب الطبيعة. وإن طريقة اختيار الشروح لهي تأليف غير مباشر، يجعل النص يتكلم، والشرح يبين مثل ما يحدث في المونتاج؛ فالنص هو السيناريو والشرح هو الإخراج والنسخ بالشرح هو المونتاج.

14

الناسخ صاحب قضية، شارح مثل الشراح حتى ولو لم يقل جديدا. وأحيانا يستطيع المونتاج أن يقول أكثر مما يقول المخرج؛ أي الشارح، أو كاتب القصة والحوار؛ أي المؤلف.

15

وقد استمرت الشروح حتى القرن السابع دون انقطاع؛ فالمراحل متوازية وليست متعاقبة، الترجمة والشرح والتأليف. وتختلف الشروح فيما بينها من حيث الكم؛ فهناك الشرح الوافر وهناك التعليق القصير، كما يختلف الشكل الأدبي لها؛ فالبعض قد تم بناء على أسئلة بناء على الشكل الأدبي المحلي في أحكام السؤال والجواب، والمفتي والمستفتي، ويقوم واحد بجمع هذه الشروح في شرح واحد جماعي يجمع بين باقي الشروح، وتدخل باقي الشروح بنسب متفاوتة فيه.

16

والسؤال هو: كيف تم الاختيار والتجميع وعلى أي أساس؟ هل اختار المجمع طبقا لما كان بين يده من شروح دون أي أساس نظري، مجرد تجميع لأكبر قدر ممكن من الشروح وهو المقياس الكمي الخالص، أم طبقا لتصور فلسفي خاص ورؤية فلسفية متميزة وهو مقياس كيفي؟ ويتراوح هذا المقياس بين مجرد الوضوح والفهم، وهو الأقرب إلى الاحتمال حتى الرؤية الخاصة، وهو الأبعد عن الاحتمال نظرا لأن الرؤية الخاصة تظهر أساسا في مرحلة التأليف بعد الترجمة والتعليق، شرحا أم تلخيصا. وهل وضع الجامع كل ما بين يديه من شروح؟ أم أخذ مقتطفات منها فقط طبقا لقراءته وتصوراته واتفاقاته مع شروحه الخاصة، وهو مقياس يجمع بين الكم والكيف؟ وهي نفس قضية جمع الأناجيل من وحدات أولى متفرقة، يوحي بعديد من الدراسات على النصوص، وطبعها بطريقة الأناجيل المتقابلة؛ كل نص بالتوازي على الآخر في موضوع واحد.

17

ولا يهم أيضا شخص المترجم، هذا أو ذاك؛ فالترجمة عمل جماعي لا شخصي، إنتاج حضاري لا فردي، كما لا يهم من هو مؤلف الإنجيل بالفعل، بل النص ذاته تم نسبته إلى أكثر الناس احتراما مثل يوحنا أو بولس.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ١٧