تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

ولا تهم أشخاص المترجمين؛ فالترجمة عمل لا شخصي، الحضارة تتعرف على الثقافات المجاورة من خلال الأشخاص، والفعل الحضاري والمترجمون محققون لهذا الفعل؛ لذلك قد تكون الترجمة مجهولة المترجم، وقد تكون منسوبة خطأ إلى مترجم آخر، وقد تكون مشكوكا في صحتها، لا يهم الأشخاص بقدر ما تهم الأعمال. الترجمة مشروع الحضارة وليست أعمالا فردية تنسب إلى أصحابها وذلك مثل الفتح، لا ينسب إلى كل جندي أو قائد على حدة، إنما إلى فتوح الإسلام.

19

لا يهم من ترجم؛ فالترجمة عمل جماعي.

20

كانت الترجمة والتعليق والشرح والتلخيص هما وطنيا، التزاما ثقافيا، مشروعا قوميا، تجربة معاشة، وليست مجرد عمل أكاديمي مهني مفروض. قد يعيش المترجم أو الشارح نصه، ويقوم بمهمته في يوم واحد؛ فالفكر لديه هم والتزام، حتى ولو كان البدن عليلا سقيما. وهو مشروع مشترك لدرجة أن يطلب الاحتكام إلى الآخرين؛

21

فالشارح جزء من تراث طويل يستمر في مسار القدماء، ويستأنف مشروعهم باجتهاده الخاص.

ولا فرق بين المؤلف والمترجم في مخاطبة القارئ وإشراكه في العلم؛ فالقارئ جزء من الخطاب الفلسفي القديم، ترجمة وتأليفا.

22

وقد يكتب القارئ ملاحظاته على النص واقتراحاته اعتمادا على نفسه أو استشهادا بالشراح الآخرين،

23

فالترجمة تحولت إلى ترجمات متتالية بفعل النسخ عبر العصور؛ فالمترجم يعيش في النساخ عبر العصور وحتى قبل اختراع المطبعة، التي أعلنت موت المؤلف والمترجم والناسخ والقارئ، موت الجميع ليحيا النص الميت، الوثيقة التاريخية التي يبلى عليها الزمن، فتوضع في المتاحف بعد أن تخرج من الأذهان.

| رابعا: الترجمة الحرفية والترجمة المعنوية

(1) الترجمة ترجمتان

كانت هناك ترجمتان، حرفية ومعنوية، الحرفية تحاول أن تكون طبق الأصل، حرفا بحرف، وكلمة بكلمة، وعبارة بعبارة، حذو القذة بالقذة؛ حفاظا على الأصل، فكانت تحافظ على الشكل دون المضمون، تبقي على اللفظ وتفقد المعنى، وتحرص على اللغة على حساب الفكر؛ فالنص لا ينقل لفظا، النص معنى؛ أي كائن حي، في حين أن النص كلغة نص ميت. إنما النص ينقل معنى من الداخل وليس من الخارج، من المعنى وليس من اللفظ، من الفكر وليس من اللغة، من القلب وليس من الأطراف؛ لذلك كانت هناك ترجمتان لكل نص، ترجمة حرفية من اللفظ إلى اللفظ، ومن اللغة إلى اللغة، ومن شكل إلى شكل من أجل المران على النقل الخارجي، مجرد النقل أي الحركة من لغة إلى لغة، من لغة الوافد إلى لغة الموروث، وليس بالضرورة من ثقافة الوافد إلى ثقافة الموروث، فتنشأ الثقة بالنفس على هذا الانتقال من لغة إلى لغة، وعلى التعامل مع لغتين. وبعد هذا المران واكتشاف حدود اللغة واستقلال الفكر، وشكلية اللفظ وجوهرية المعنى، تأتي الترجمة الثانية من المعنى إلى المعنى، ومن الفكر إلى الفكر، ومن الجوهر إلى الجوهر، سواء من نفس المترجم أو من مترجم آخر، فتأتي الترجمة المعنوية الثانية أكثر سلاسة، وسهولة، وفهما، وكأنها مؤلفة من جديد بلغة ثانية، وكأن اللغة الثانية المنقول إليها هي لغة التأليف الأول.

1

وأحيانا يكون النص المنقول الثاني أكثر تعبيرا عن المعنى من النص الأول؛ فكل لغة لها إمكانياتها في التعبير، واللغة الجديدة قد تكون أكثر إمكانية في التعبير من لغة النص الأول. ولما كان المترجم الحرفي الأول قد اكتسب المران الكافي في النقل والحركة بين اللغات، فإنه في المرة الثانية يقفز إلى معنى النص الأول قفزا، ويتجه إلى القلب مباشرة، وبقوة الدفع هذه يعبر عما فهمه بلغة النص الثاني، فيخرج التعبير وكأنه تأليف وليس ترجمة، يتجاوز حدود اللغة الأولى ويعتمد على إمكانيات التعبير في اللغة الثانية، فتخرج الترجمة المعنوية نصا جديدا له وجود مستقل عن النص القديم. مراحل الترجمة إذن تدل على الانتقال من اللفظ إلى المعنى، حتى وصل الأمر إلى النصف الثاني من القرن الرابع، عصر الفارابي الشارح للمعنى والمؤلف فيه.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ١٨