58
| ثالثا: الترجمة عمل جماعي
(1) ترجمة أم ترجمات؟
كانت هناك أكثر من ترجمة للنص الواحد؛ فالترجمة عمل حضاري، قراءة فردية، لا يوجد ترجمة لنص واحد بل ترجمات عديدة لنص واحد. النص واحد عند المؤلف، ولكنه متعدد بتعدد المترجمين. ويحتمل أن يكون نص المؤلف المتشابه نصين في ذهنه بفعل الاشتباه المضمر، ثم تحول الترجمات هذا النص المتشابه إلى نصوص محكمة، كل منها يحكم الاشتباه بطريقته. وقد يكون الاشتباه متعددا وليس فقط توترا بين معنيين، وبالتالي تتعدد الترجمات بتعدد الاشتباهات. الترجمة قراءة، وتعدد الترجمات تعدد للقراءات، المؤلف واحد والمترجمون عديدون، المؤلف ميت والمترجمون أحياء، الموت واحد والحياة متعددة. الترجمة عمل حضاري مستمر لتحسين اللفظ وبلورة المعنى من أجل تسليمه إلى الشرح والتلخيص. لم يقم بترجمة المنطق مترجم واحد، بل قام به مترجمون عديدون، الترجمة عمل جماعي وليست عملا فرديا، موضوعا مشتركا وليست عبقرية فردية، رؤية حضارية وليست اختيارا فرديا. قد يشترك مترجمان في كتاب واحد لكل منهما مقال أو عدة مقالات، الترجمة إذن مشروع جماعي حضاري وليست مبادرة فردية.
1
يقوم المترجم بتصحيح وتحسين وإكمال مترجم آخر من أجل سلامة النص وسلامة الأسلوب.
2
لا تعني الترجمات المتعددة للنص الواحد أكثر من مرة، والتي قد تصل إلى أربع مرات، أي نوع من الترف العقلي؛ فالحكمة ليست ترفا بل مطلبا أساسيا، وتوجها حضاريا، بل تدل على الانتقال من الترجمة الحرفية إلى الترجمة المعنوية؛ فالهدف هو اقتناص المعنى وليس نقل اللفظ، حتى يمكن تمثله واحتواؤه، ثم إعادة بنائه وصبه في التصور الحضاري العام،
3
بل إن النقل كان يتم من المعاني الثابتة في النص المنقول وليس من ألفاظه.
4
ويتم إصلاح الترجمات ومراجعتها على بعضها البعض من أجل الوصول إلى أمثل المعاني؛ فإصلاح الترجمات يدل على الرغبة في تجاوز الألفاظ إلى المعاني المستقلة، والرغبة في الوصول من تعدد الترجمات إلى وحدة المعاني. الترجمة إذن عمل جماعي وليس عملا فرديا، هدف ثقافي مشترك وليست مجرد اختيار فردي. ويتم تدوين هذه التصحيحات كلها في الترجمة بعد تدوين الترجمات والقراءات المختلفة، والمقارنات بين الترجمات والقراءات والمراجعات عليها، ثم تبدأ التعليقات بعد التصحيحات ثم الشروح والتفاسير. لا يوجد إذن خط فاصل بين النقل والتفسير؛ كلها حلقات متصلة يؤدي بعضها إلى بعض، ويتوسطها التعليق الذي يربط بين الترجمات والقراءات والتصحيحات والمراجعات والمقارنات من ناحية؛ كل ذلك في نهاية كل ترجمة حتى ينفصل بعد ذلك في تأليف مستقل، الانتقال من مستوى النقل إلى مستوى الإبداع،
5
هذه النهايات أشبه بالهوامش النقدية في النشر الحديث، والتي تدل على الأمانة العلمية عندنا. وعند القدماء، بالإضافة إلى الأمانة العلمية بداية التأليف الفلسفي؛ لأنهم يتأملون مع النص باعتبارهم أصحابه، وليسوا غرباء عنه، باعتبارهم أصحاب دار وليسوا متفرجين.
6
وتتم هذه التعليقات النقدية على النصوص بالأسود والأحمر؛ من أجل التمييز بين أنواعها: التصحيحات، القراءات، المراجعات، المقارنات، الشروح، التفاسير ... إلخ. وتتم المقابلة على أشهر المترجمين والمراجعة عليهم والموافقة، كما هو الحال في مناهج النقل الكتابي في علم الأصول، الإجازة والمناولة.
7 (2) ترجمة اللفظ وإصلاح المعنى
الترجمة للنص والإصلاح للمعنى. وإصلاح الترجمة بداية الشرح كما أن التعليق بداية التأليف؛ فالترجمة والإصلاح والشرح والتفسير عمل جماعي.
8
وقد تتم الترجمة أكثر من مرة من نفس المترجم، وتكون الثانية أكمل من الأولى، وأقرب إلى المعنى؛ فالمترجم هو الذي يقوم بإصلاح كلي للترجمة الأولى، هو المترجم والمراجع.