50
وأيضا «كتاب جالينوس إلى فسين في الترياق ترجمة حنين بن إسحاق» (260ه) ترجمة موضوعية حرفية دون قراءة، ونقل على الموروث، باستثناء البسملة في البداية من الناقل أو الناسخ، وربما الموضوع الطبيعي نفسه كنص نافع للمداولة ضد السموم، وبالرغم من إمكانية التعشيق خاصة بالحديث عن المدرستين في الطب، أصحاب القياس وأصحاب التجربة، وذكر آراء الأطباء السابقين، وأن المترجم نفسه من الأطباء،
51
وتتسم «مقالة جالينوس في أن قوى النفس توابع لمزاج البدن» بأسلوب عربي جيد، وكأنها تأليف وليست ترجمة. تخلو من النقل الحضاري، باستثناء الحمد والشكر في النهاية، بالرغم من إمكانية ذلك نظرا لاعتمادها على أفلاطون، وتعرضها لموضوعات الموروث مثل علم الفراسة.
52
أما «مختصر جالينوس في الحث على تعلم العلوم والصناعات»، فنموذج للترجمة التي تقوم على النقل الحضاري؛ فالموضوع يشبه موضوعات الموروث؛ فللفارابي رسالة في نفس الموضوع وبنفس العنوان، كما يظهر البعد الديني للموروث؛ فغاية الفلسفة الوصول إلى الخيرات الإلهية، والتقرب إلى الله تعالى، وكل أصحاب الصنائع يقبلون بوجوههم نحو الله تعالى. ويشارك جنس الناس جنس الملائكة في النطق؛ فالإنسان ملاك. وينتهي المختصر بحمد الله وشكره.
53
ويدخل في ذلك كثير من الترجمات العلمية مثل «كتاب فيلون في الحيل الروحانية ومخانيقا الماء»، وهو فيلون البيزنطي وليس فيلون اليهودي، مجرد ترجمة طبقا لنظرية المطابقة دون نقل حضاري، بل ودون العبارات الإيمانية، البسملات والحمدلات والصلوات والدعوات في البداية والنهاية.
54
ومن هذا النوع أيضا «كتاب إيرن في رفع الأشياء الثقيلة» أخرجه من اليونانية إلى العربية قسطا بن لوقا البعلبكي، وهي ترجمة موجهة إلى أبي العباس أحمد بن المعتصم، يظهر فيها التقابل بين اللغتين العربية واليونانية، ويشعر المترجم بوجود نقص في النص اليوناني؛ أي إنه يحترم النص ولا يسيء التعامل معه بالحذف والإضافة والخلط، بالرغم من إمكانية قراءته نظرا لورود بعض أسماء الأعلام فيه مثل أرشميدس وبوسدونيوس، وبه بعض العبارات الإيمانية مثل البسملة في البداية والحمدلة في النهاية. ومثله أيضا «صناعة الجبر لديوفانطس الإسكندراني» ترجمة قسطا بن لوقا، بالرغم من كتابته بالأسلوب العربي المرسل وليس بطريقة الرموز، وهو ما يسمح بهامش محدود للنقل الحضاري، ولا توجد إلا البسملات في بداية كل مقال والحمدلة في النهاية. وبالرغم من أنه يبدأ من المقالة الرابعة إلا أن الباقي منه دال على الناقص.
55
ويخلو «أجزاء الحيوان» من المقدمات والنهايات الإيمانية؛ لأن النقل الحضاري فيه ضئيل.
56
وكثير من الترجمات أيضا يغيب عنها النقل الحضاري الذي يتطلب وعيا حضاريا. وبالرغم من إمكانية العثور على العاشق والمعشوق؛ نظرا لظهور صفة الإلهي مثل «العضو الإلهي»، إلا أن النقل الحضاري يكاد يكون معدوما؛ فالعلم علم وليس بالضرورة ثقافة، باستثناء البسملة في البداية دون الحمدلة والصلوات في النهاية.
57
ولم تمنع العقيدة الإسلامية من ترجمة نصوص وثنية مثل «كتاب الصلاة لياسميتوس الوثني»، وهي بقايا من الكتاب، موضوعه شعائر القدماء من بين عبدة الصنام، الصلاة الثالثة لزيوس «زفس الملك» لا فرق بين الإله والملك. وهو دعوة ثالثة مغربية التي تقال ربما ساعة الغروب؛ أي وقت المغرب وليس جهة المغرب؛ فاللفظ أقرب إلى الدلالة على الزمان من المكان؛ فزيوس هو عين الموجود، عين الواحد، عين الخير، هو من ذاته وبذاته موجود، ليس معه أحد لامتناع الكثرة عليه، لا يحتاج إلى أحد، وهو الأشرف والأكمل، بسيط غير مركب قائم بذاته، واحد أحد، حي بذاته، كل ما سواه منه، أب الآباء وهو عديم الأب، خالق الخالقين، قديم وما سواه كائن أي محدث، ملك الملوك، أعلى من جميع أولي الأمر، الممسك بكل شيء، كمال في ذاته، لا يجب عليه شيء بل هو الموجب لكل شيء، ملك السادات، وجميع الأرباب، يتعبده الكل لأنه أحق بالعبادة. لا يحتاج إلى أحد، والكل مفتقر إليه، فائض الخيرات وواهب الطيبات، كل يسبح له وبحمده ويعظمه، أزلي قديم، سرمدي لا يتحرك، خالق بذاته الموجد جواهر وذوات وآلهة فوق السماء، آلهة سماويين، كل ما سواه له نهاية وعدد، رئيس بوزيدون والطيطاني وقرونس، خالق الأجناس كلها، وأجناس الآلهة، الخير المطلق، الجواد، واهب شرف الحقيقة الناطقة، هو الكبير في الحقيقة والغاية، العلي الواجب، واهب السعادة للجميع، بشرا وآلهة، غافر الخاطئين، راجعين إليه باليسرى أو بالعسرى؛ هذا هو الإيمان الوثني الذي لا يختلف عن الإيمان الديني؛ فلا فرق بين العقل والوحي والطبيعة.