43
وأحيانا يبدو العمل المزدوج عند الناشر الحديث. إذا التزم المترجم بالمطابقة فإن الناشر الحديث يعيب عليه حرفيته، وإذا أول ونقل حضاريا عاب عليه الناشر الحديث خروجه وتحريفه وتأويله، بل وخطأه وخلطه وسوء فهمه! فالترجمة العربية القديمة معابة معابة، والمترجم العربي القديم مخطئ على الإطلاق.
44
وقد يكون الدافع على تبني نظرية المطابقة أن المحقق متخصص في الدراسات اليونانية واللاتينية، مما يجعل النص اليوناني هو الأساس والترجمة العربية الفرع، على نحو لا شعوري اعتزازا بالتخصص.
45
وقد يكون الدافع الاستشراق وتبعية وتعاليم المستشرقين والمركزية الأوروبية التي تعتبر اليونان الأصل والعرب الفرع طبقا لعلاقة المركز بالأطراف، وقياسا على علاقة الغرب الحديث بالغرب القديم.
46
وقد ترجع الاختلافات بين الترجمة العربية والنص اليوناني، إلى عدة اعتبارات مادية صرفة بعيدة عن النقل الحضاري، منها مثلا أن تكون الترجمة العربية القديمة قد تمت من مخطوط يوناني قديم، غير المخطوطات التي وصلت الغرب الحديث، والتي اعتمد على نشرها في طبعاته العلمية، قد يكون فيها أخطاء من الناسخ أكثر أو أقل من المخطوطات الأخرى، وقد تكون فيها خروم أو سقط، أو مسح أو بياض، لم يستطع المترجم العربي إلا أن يتغلب عليها بالتخمين والإضافة طبقا للمعنى، وقد تكون بعض الكلمات صعبة القراءة أو الفهم تم حذفها،
47
ونفس الاعتبارات موجودة بالنسبة للترجمة العربية. قد تكون الاختلافات بين المخطوطات أكثر من الاختلافات بين الترجمة المطلقة والنص اليوناني المطلق. وقد تكون الأخطاء من النساخ، والسقط والخرم والمسح وسوء الخط وارد فيها، مما يجعل قراءتها صعبة للناشر الحديث.
وافتراض الخطأ وارد دون أن يكون تصحيحه عن طريق القواميس والمعاجم، بل سرعة في الفهم أو لبس في فهم معنى، أو إيثار أحد معانيه على المعاني الأخرى إذا كان محكما أو متشابها، أو مطلقا أو مقيدا، حقيقة أو مجازا، ظاهرا أو مؤولا، مجملا أو مبينا، خاصا أو عاما، طبقا لمباحث الألفاظ عند الأصوليين، واختار المترجم أحدهما دون الآخر، واختار الناشر الحديث المعنى الآخر، وكلاهما صحيح، والاختيار خاضع للسياق، السياق النصي في نفس العصر، والسياق الحضاري في عصرين مختلفين، عصر المترجم القديم وعصر المحقق والناشر الحديث، منطق الترجمة فيما وراء الصواب والخطأ، في المناطق المتشابهة بين الحلال والحرام.
48
واختلاف الترجمة بين المترجمين، يدل على الإبداع؛ فلا توجد ترجمة نمطية واحدة طبقا لنظرية المطابقة، واعتمادا على المعاجم والقواميس. اللغة تطور، توحي بالمعاني في النفس، ولا تستنبط من الألفاظ، ولا تهم صحة نسبة القول إلى القائل أو الشعر إلى الشاعر؛ فالمهم هو المحمول لا الحامل، والمعنى وليس اللفظ، والفكرة وليس التاريخ.
49
وهناك ترجمات «موضوعية»، مجرد نقل للنص اليوناني إلى اللغة العربية، بلا تدخل أو فهم أو قراءة أو استعمال للموروث، لدرجة أنها قد تخلو من الدلالة تماما، هي الترجمة التي تقوم على نظرية المطابقة وليس القراءة. المترجم ناقل وليس فيلسوفا، موضوعي وليس ذاتيا، أقرب إلى النص اليوناني منه إلى الروح العربية. مثال ذلك «رسالة الإسكندر الأفروديسي في الرد على جالينوس، فيما طعن به على أرسطو، في أن كل ما يتحرك فإنما يتحرك عن محرك نقل أبي عثمان الدمشقي» (ه). تمتاز الترجمة بجمال الأسلوب وكأنها تأليف، بل إن المترجم لم يتدخل في تقطيع النص إلى أبواب وفصول، أو فقرات تبدأ بقال فلان إشارة إلى المؤلف، ولم يقم الناسخ بذلك أيضا، نيابة عن المترجم. وبالرغم من أن الموضوع يمكن تعشيقه في الموروث، المحرك الذي لا يتحرك دفاعا عن أرسطو من الإسكندر ضد طعن جالينوس، إلا أن المترجم لم يتدخل لا بالتعليق ولا بالقراءة ولا بالإضافة ولا بإيجاد الدلالة. وقد كان يمكن للمترجم أن يقوم بدور القاضي وينتصر لأرسطو، بعد أن يستمع إلى دفاع الإسكندر عنه ضد جالينوس، أو أن يصوب جالينوس أحيانا، خاصة وأنه فاضل المتقدمين والمتأخرين، بل إنها خلو من البسملة في البداية لا من الناقل ولا من الناسخ ولا من القارئ، وإن كانت الحمدلة في النهاية «والحمد لله كثيرا» تكشف عن بيئة المترجم. ربما الدلالة الوحيدة هي تعريب اللفظ اليوناني الموسيقوس؛ أي الموسيقى، والذي استمر حتى الآن.