ومقارنة الترجمة القديمة بالترجمة الحديثة، تظهر الموقفين الحضاريين المتباينين، قراءة الأولى ونقل الثانية، تمثل الأولى ونسخ الثانية، رؤية الآخر من خلال الأنا وتبعية الأنا للآخر في الثانية، تعبر الأولى عن موقف حضاري، بينما الثانية مجرد نسخ وتقليد لأهداف لها.
إن كل التعليقات غير الواردة في الترجمة القديمة، والتي تأتي من الناشر الحديث، إنما هي مستمدة من النشر الأوروبي الحديث، ولا دلالة لها إلا من حيث البحث عن النص كوثيقة تاريخية، وهو ما تم في الغرب، وله دلالته الحضارية عنده، إبان نشأة النقد التاريخي للكتب المقدسة، بحثا عن الرسالة الضائعة والوحي المحرف، والكلام غير المدون. يهم الناشر الأوروبي الحديث النص اليوناني، وليس الموقف الحضاري، على عكسنا نحن. ولو أن النشر العلمي للوثيقة التاريخية، له دلالة حضارية عندهم في اللاوعي، لا يعرفونها هم ونعرفها نحن، وهو البحث عن الرسالة التاريخية والكتاب المدون بلا تحريف. وما أكثر اتهام الناشر الجديد للترجمة العربية القديمة، حتى يظهر قواه في ضبط المعنى، وإمكانياته باللغات الأجنبية ومعرفته بدراسات المستشرقين! وما أهمية الترجمة الحديثة للنص اليوناني القديم؟ هل بيان مدى جهل القدماء وعلم المحدثين؟ إن الموقف الحضاري مختلف تماما؛ فالقدماء لم يكونوا فقط مترجمين، بل ناقلين للنص الحضاري من بيئة ثقافية إلى بيئة ثقافية مغايرة، سريانية أو إسلامية، في حين أن المحدثين مجرد مترجمين؛ بمعنى مطابقة الترجمة الحديثة للنص القديم، دون أية قراءة أو تأويل؛ مجرد ترجمة مهنية آلية، طبقا للموضوعية والحياد، وهما مستحيلان عمليا؛ فكل ترجمة قراءة أو تأويل شعوري أو لا شعوري، فردي أو جماعي، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودا عند المترجم الحديث. أما إذا كان الهدف بيان مدى دقة القدماء في إنشاء المصطلحات، فإن القدماء قد أبدعوا في ذلك، ونحن ما زلنا نعيش على تراثهم. ليست المعركة مع النص اليوناني القديم، بل مع وريثه الغربي الحديث، الذي نصب نفسه مقياسا وأصلا ثانيا، يتم على أساسه إصلاح الترجمة العربية القديمة؛ فلا يجوز في طبع الترجمة العربية القديمة إكمال النقص بها اعتمادا على النص اليوناني، أو حذف نص أصلي لم يرد فيها؛ فهذا قضاء على مادة العملية الحضارية التي قام بها القدماء من خلال الترجمة. بالنسبة للأوروبي هناك تحريف في الترجمة العربية عن النص اليوناني؛ لأن الأصل عنده اليوناني وليس العربي؛ يريد تصحيح اليوناني بالعربي دون رؤية العمليات الحضارية التي تمت من النص اليوناني إلى الترجمة العربية. والترجمة العربية بالنسبة للباحث الوطني هي الأصل، والنص اليوناني هو الفرع، ولا يجوز تصحيح الأصل بالفرع.
41
كل ترجمة مخالفة للنص اليوناني تكون خاطئة عند المستشرق؛ لأن اليوناني هو الأصل والعربي هو الفرع، مع أن الاختلاف بين النص والترجمة راجع إلى منطق حضاري محكم. (4) الترجمة والنص
لا تعني الترجمة كعمل حضاري أي خروج على النص، بل تعني البحث عن «نص كلامه»، كما يقول حنين بن إسحاق في ترجمته لكتاب «النفس لأرسطو»؛
42
ولذلك تبدو بعض الترجمات بأقل قدر ممكن من النقل الحضاري، دون حذف أو إضافة أو تأويل أو تعليق إلا في أقل القليل في البسملات والحمدلات أحيانا، كعلامة على البيئة الثقافية الجديدة؛ ربما لأن الطب علم دقيق، لا توجد فيه مواضع يسهل فيها التعشيق بين المؤلف والمترجم، بين النص اليوناني والترجمة العربية، كما هو الحال في نصوص الحكمة؛ احتراما للعلم وعدم الفتيا فيما لا يعلم المترجم، بالرغم من إمكانية الجهاد في ذلك عن طريق تصور القرآن للطبيعة وأحاديث الطب النبوي، كما هو الحال في التأليف عند ابن سينا في «القانون».