تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36

لا يجوز إضافة شيء محذوف في النص العربي من اليوناني؛ فالحذف له دلالته على الثقافة المترجم إليها، إما لشدة تركيزها ورفضها الإسهاب، وكما يبدو وذلك في اللغة العربية، أو لمعارضة الفكرة المنقولة لتصور الثقافة الجديدة؛

37

فالله مثلا لا يدخل كمثل للأنواع والأجناس أو كمحمول أو كموضوع، الله فكرة محددها وحذفها له دلالة.

38

ليس الهدف من نشر الترجمات العربية القديمة الاستعانة بها؛ من أجل فهم وتصحيح الترجمات الأوروبية الحديثة خاصة فيما يتعلق بدقة المصطلح الفلسفي؛ فهاتان المرحلتان تاريخيتان مستقلتان: مرحلة النقل الإسلامي، ومرحلة النقل الأوروبي الحديث، لكل منهما طابعها المستقل، وعملياتها الحضارية الخاصة؛ فالنقل الإسلامي لم يكن القصد منه النقل الحرفي، بل التعرف على الوافد من أجل استعماله لإعادة عرض الموروث في مرحلة الالتقاء بين الثقافات من أجل خلق ثقافة فلسفية واحدة. كان النقل قراءة وتأويلا؛ كان بداية التفكير الفلسفي. في حين أن النقل الغربي الحديث كان بهدف إيجاد ترجمة مطابقة للأصل اليوناني تحت تأثير النزعة العلمية، وإيجاد ترجمات باللغات الأوروبية الحديثة؛ فرنسية، وإنجليزية، وألمانية، وإيطالية، وإسبانية، وروسية للنص اليوناني، من أجل التعرف على الثقافة اليونانية، أحد مصادر الثقافة الأوروبية، وهما هدفان مختلفان تماما. أما إيجاد ترجمة عربية حديثة مطابقة للنص اليوناني، فهذا أيضا تقليد للنقل الغربي، ووقوع في النزعة التاريخية والنقل الحرفي. والنقل القديم كان أكثر مطابقة للنص اليوناني، من حيث الدلالة الحضارية العامة باعتباره بداية الإبداع؛ فالنقل القديم كان مجرد وسيلة وليس غاية، في حين أن النقل اليوم أصبح غاية وليس وسيلة؛ من أجل التثقف والتعلم من حضارة المركز، ونقل المعلومات والمعارف، واستهلاكها دون إبداع مقابل. كما أن النص اليوناني اليوم لا يمثل وافدا أو غزوا ثقافيا، كما يمثله النص الأوروبي الحديث؛ وبالتالي لا تكون ثمة حاجة إلى نقل جديد للنص اليوناني، بل هناك حاجة إلى نقل عن النصوص الأوروبية الحديثة، التي تمثل وافدا ثقافيا من أجل تمثله واحتوائه، كما فعل القدماء مع النص اليوناني، ثم تحويله إلى معان؛ من أجل إعادة بناء الوافد كله داخل الموروث، والانتقال من النقل إلى الإبداع. ليس الهدف إذن أثريا بل حضاريا استشراقيا، بل من أجل المساهمة في تدعيم الثقافة الوطنية، ومحاولة تطويرها من مرحلة النقل إلى مرحلة الإبداع.

39

إن إعداد ترجمة يونانية قديمة لا فائدة منها بالنسبة للترجمة العربية القديمة؛ فالموقف الحضاري للمترجم القديم غير الموقف الحضاري للمترجم الحديث،

40

الأول لم يكن فقط مترجما لنص من لغة إلى لغة، بل ناقلا لثقافة بأكملها من حضارة إلى حضارة، متمثلا الأولى في الثانية. في حين أن الثاني مجرد ناقل لثقافة الآخر إلى ثقافة الأنا عبر اللغة؛ من أجل نشر المعلومات دون أن يكون له موقف حضاري خاص؛ ومن ثم استحال الحكم على الترجمة العربية القديمة، التي تعبر عن الموقف الحضاري للمترجم بالترجمة العربية الحديثة، التي لا موقف حضاري لها أو التي لها موقف حضاري مخالف، وهو نشر ثقافة المركز في الأطراف. موقف المترجم القديم يعبر عن أصالة ثقافية، بينما يعبر موقف المترجم الحديث عن تبعية ثقافية. المترجم الأول يتمثل ويحتوي ويعلق ويلخص ويشرح ويؤلف ويبدع، بينما المترجم الثاني مجرد ناسخ طبق الأصل للنص الأول في النص الثاني مع اختلاف اللغة. الترجمة الحديثة لا تعبر عن موقف حضاري جديد؛ فالثقافة اليونانية ليست غازية لنا، ولا توجد هناك حركة لاحتوائها، على عكس الثقافة الأوروبية الغازية، وعدم وجود ترجمات عربية لنصوصها، بغرض تمثلها واحتوائها وتلخيصها، وشرحها من أجل التأليف في موضوعاتها ثم الإبداع المستقل عنها. تهدف الترجمات الأوروبية الحديثة داخل حضاراتها، إلى معرفة النصوص القديمة، كوثائق تاريخية دون تشويه الترجمات العربية لها، ومثل معرفة نصوص الكتاب المقدس، وإعادة ضبطها كوثائق تاريخية ومصادر للتراث الغربي. إن أية ترجمة حديثة لكتاب الشعر لا فائدة منها؛ فإصلاح النص القديم ليس هو المطلوب؛ لأنه يعبر عن موقف حضاري وليس مجرد ترجمة حرفية. وبيان براعة الباحث الجديد ومدى علمه باللغات الأجنبية، إحساس بالنقص أمام التراث الغربي والباحث الغربي. وهو أيضا تقليد للأوروبيين في نشر نصوص تعتبر مصدرا للتراث الغربي وليست مصدرا لتراثنا. وخدمة النص اليوناني وإظهاره في كل اللغات، وقوع في ثنائية المركز والأطراف، المركز اليوناني والطرف العربي. إن المواجهة الآن مع الغرب ليست مع كتاب الشعر، بل مع رأس المال ؛ فكما كون كتاب الشعر وجدان القدماء، كذلك يكون كتاب رأس المال وجدان المحدثين.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ١٢