وقد يختلف الكم طولا وقصرا ليس فقط في الكتاب، بل أيضا في مقالات الكتاب الواحد؛ فهناك عدم تناسب في الكم، طولا وقصرا بين المقالات الثمانية في كتاب الطبيعة، وذلك من أجل إيجاد نوع من التناسب في التركيز على الأفكار، وإعادة إنتاج النص بما يتلاءم مع أهمية موضوعاته في الحضارة المنقول إليها. وعندما يكون التعليق طويلا بل أطول من النص يكون الشرح خاطرات، والذهن في حالة قراءة للنص وتقليب وتمثل واحتواء له. النص نقل، والتعليق إبداع.
13
وعندما يكون الشرح متقطعا عبارة بعبارة، فإنه يفسد المعنى الكلي، ويصبح أكاديمية خالصة في مرحلة النقل أن يتخلق المعنى الكلي.
مهمة الشرح استيعاب النص المترجم داخل الحضارة المنقول إليها، وتحويل الوافد إلى الموروث، والخارج إلى الداخل، والدخيل إلى محلي، وذلك عن طريق التعبير عن معاني النص بألفاظ وأسلوب عربي طبيعي، ثم التعامل مع معنى مستقلا عن نشأته الأولى، لإكماله وإيجاد اتزانه، ثم الاستفادة له في أغراض الحضارة الخاصة المنقول إليها. مهمة الشرح نقل النص المترجم من الجو الثقافي الغريب الذي نشأ فيه، والذي يشعر به القارئ خاصة عندما يقرأ المنطق، ويشعر بأنه كان لا بد من شرحه لتحويله إلى ثقافة محلية وطنية خالصة، قضاء على التغريب، وإذابة لهذه البؤر المنعزلة في الجو الثقافي العام. الشرح إذن ضروري لوضع هذه المادة الجديدة الوافدة ضمن التصور الإسلامي، وحتى لا تظل مركز جذب بأعجميتها للثقافة المحلية، فتسبب ازدواجية الثقافة بين ثقافة جديدة علمانية وافدة من الخارج وثقافة دينية موروثة من الداخل. ويتطلب ذلك في النص المترجم: (أ)
إسقاط غير الدال، والإسهاب، وعيش الفكر على ذاته، ودورانه حول نفسه، وتحوله إلى تحصيل حاصل، غير منتج، عقيم بما في ذلك أسماء الأعلام والأماكن والحوادث. أي كل الوقائع التاريخية التي تحمل الدلالة ولكنها وافدة من لبنة أجنبية. (ب)
إكمال البنية العقلية للموضوع، وإعادة التوازن إليه، ووضعه كموضوع عقلي مستقل يمكن لكل ذهن أن يعيه ويضعه من تلقاء نفسه. كما يتطلب إحكام البنية وإيضاحها، وإيجاد المزيد من البراهين الداخلية عليها. (ج)
الاستعانة بها لأغراض الحضارة المنقول إليها، ومقاصدها واستعمالها على نحو آخر، ثم صبها كلها في التيار الحضاري الأول، التوحيد، باعتبارها وسيلة، ومقصد الحضارة المنقول إليها غاية. (د)
احتواءها داخل الحضارة بدلا من بقائها خارجها لتكوين ثقافة مغايرة تسبب الاغتراب الثقافي وتحديا للذات، وينتهي الأمر بضمور الذات وتقليد الآخر، ونشأة الازدواجية الثقافية بين دينية وعلمانية، والازدواجية السياسية بين محافظة وتحرر.
فلا يكاد يقرأ الإنسان الترجمات العربية القديمة، إلا إذا شعر بالحاجة إلى الشرح لفهم المعنى أو إلى التركيز والتلخيص للتعامل معه وتذكره وتكراره؛ فهي مادة خام في حاجة إلى عمل عقلي فكري حتى يسهل التعامل معها. يمر القارئ بتجربة الشرح، وهو أنه يجد ذهنه في حاجة إلى تنشيط فكري وإلى تأمل وتأويل ومراجعة. وهنا تأتي مهمة الشرح والتلخيص للتعبير عن هذا النشاط الذهني، والقارئ بصدد قراءة الترجمة أو المترجم بصدد النص الأصلي. إن المثابرة على نقل هذه النصوص كلها لهو في حد ذاته عمل بطولي، خاصة إذا كان نقل النص من لغته الأصلية إلى اللغة الجديدة أولى مراحل العمل الثقافي التالي، التعليق والشرح والتلخيص من أجل مرحلة لاحقة هو العرض والتأليف، حتى تتم عملية التمثل والاحتواء قبل عملية الخلق والإبداع. الشرح لتوضيح المعنى، والتلخيص لإبرازه. الشرح لبيان التناسق الداخلي، والتلخيص لبيان إمكانية التعامل الخارجي. شيء طبيعي إذن أن يتحول المعنى إلى دافع ذاتي، فينشأ الشرح والتلخيص ثم عرض الموضوع، ثم التأليف فيه، وليس فقط فهم معناه. فإذا كانت الترجمة تتم من اللفظ، والشرح والتلخيص من المعنى، فإن العرض والتأليف من الشيء لما كان الفكر لفظا ومعنى وشيئا هو موضوع الفكر. يمل الذهن من قراءة الترجمة ويسأمها دون عمل كاف للعقل؛ لذلك كان من الطبيعي بعد أن يتشبع الذهن بالنص المترجم واستيعابه، أن ينتقل إلى التمثل والاحتواء، ثم العرض والتأليف المستقل عنه، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة النقد ثم التأليف المضاد. فهم أعماق النص إذن يبدأ من الشرح والتلخيص بعد الترجمة، بعد أن تم الاعتناء بالنص وتجهيزه حضاريا للفهم. لو لم تتم هذه العملية، لما أمكن الشرح والتلخيص دون هذا التجهيز، مثل عملية الطهي للطعام النيئ حتى يتم التمثل بالشرح والتلخيص، وإلا لما عمل النص ونشط العقل، ولظل الوعي متقبلا ومستقبلا دائما، دون أن يتحول إلى وعي معط وهاب، ويمكن الاعتماد على تحليل التجارب الشخصية، كخطوة نحو العرض والتأليف، من أجل الوصول إلى الإبداع الذاتي، الذي يمحى فيه التمايز بين الوافد والموروث، ويصبح تعبيرا عن الواقع المباشر.