51
وتتوجه التعليقات نحو المعاني وما ينبغي للإنسان أن يعلم. وتظهر أفعال الإيضاح والانتقال من الظن إلى اليقين؛ فالبيان هو مسار الفكر وهدفه، ويظهر القصد والغاية.
52
ويبدو المسار الفكري من المقدمات إلى النتائج.
53
ويظهر الموروث المحلي في ضرب الأمثلة بزيد وعمرو.
54
كما يظهر التمايز بين التعليق والوافد في بيان خصوصية اللسان العربي.
55
وتظهر بعض المصطلحات الأصولية مثل الأخبار. كما يسهل التعليق على تمثل الفارابي للوافد؛ نظرا لأن الثقافة العربية ثقافة الكلام وأدبها الشعر؛ فالكلام أربعة أقسام: نداء، وأمر، وتضرع، وطلب، وكذلك قسمة الأسماء المشتركة إلى مشككة، ومستعارة، ومتباينة، ومترادفة. ويعاد بناء نص الفارابي الذي يتمثل فيه الوافد بناء على أبعاد جديدة في ثقافة الموروث، فإذا تحدث النص الوافد عن الإنسان في الرحم، فإن التعليق يجعله خلق الله الإنسان في الرحم. هذا بالإضافة إلى البسملة والصلاة والسلام على محمد وآله في البداية، حتى وإن اختفت في النهاية.
56 (5) تعاليق على البرهان
ويبدو ابن باجة هو الذي حول التعاليق إلى نوع أدبي مستقل، في تعاليق ابن باجة على كتاب البرهان للفارابي.
57
وهي أقرب إلى الشرح إذ إنها تقطيع نص البرهان إلى نصوص صغيرة حتى يسهل هضمها وابتلاعها؛ فتحول النص إلى جزئيات صغيرة دون رؤية كلية.
58
والهدف هو مزيد من التفصيل والبيان للأقوال الجزئية، حتى غاب الهدف الكلي والقصد بلا دلالة. التعاليق أقرب إلى التمارين العقلية التي يقوم بها ابن باجة من المغرب على نص البرهان للمشرق لإحداث التراكم الفلسفي الداخلي؛ إذ يقوم الفارابي بتمثل الوافد ويقوم ابن باجة بتمثل التمثل من جديد.
والتحليل صوري جزئي متناثر باستثناء بعض أمثلة من السياسة؛ أي من العلم المدني الأثير عند الفارابي، علاقة الرئيس بالوزير.
59
لا يوجد موضوع مترابط حتى البرهان؛ لذلك جاء الشرح والتلخيص والجوامع لتحديد القصد والغاية والغرض وإجمال الموضوع، تحليله في الشرح ثم تركيبه في التلخيص والجوامع. التعاليق بهذا المعنى أقرب إلى الشروح المتأخرة في عصر الشروح والملخصات أيام الدولة العثمانية، عندما عاش الموروث على نفسه، مجترا إبداعه السابق وناقلا له، ومتمثلا من قبل دون قراءة أو تأويل. ويضع ابن باجة تعاليقه بالإحالة إلى باقي مؤلفات الفارابي، عارضا كتب أرسطو المنطقية مثل إيساغوجي، والبرهان، والتحليل، والقياس، وباري أرمينياس.
60
وفي الغالب يبدو ابن باجة مؤيدا للفارابي، وليس قارئا أو مؤولا أو ناقدا أو رافضا، كما فعل ابن رشد في «تهافت التهافت» مع الغزالي؛ لذلك تغيب عن التعاليق المواقف الفكرية والسجال. يبدو الفكر الفلسفي في التعاليق مفلطحا سطحيا مستويا، خاليا من الإشكال والعمق والبدائل.
ومع ذلك يبدو مسار الفكر في صور الاستدلال، وأفعال الشرط وجوابه وأفعال البيان والإيضاح. كما تبدو الإحالات إلى ما تقدم وإلى ما سيأتي، ربطا للنتائج بالمقدمات. كما تظهر الماينبغيات؛ فالفكر اقتضاء ووجوب. كما يبدو التعليق بحثا عن السبب؛ يقوم بدور التعليل. كما يبدو التقسيم للموضوع، والتقسيم أولى درجات الحد، ومع ذلك نادرا ما يبدو القصد والغاية الذي كان بإمكانه توحيد الأجزاء المتناثرة في كل واحد. كما يوجد فعل الأمر للنفس مثل «فلنترك»، وكأن هناك خطوات متتالية في مسار مقصود محدد، له بداية ونهاية وقصد وغاية، ويخاطب القارئ «واعلم»، وكأن هناك قضية تهم القارئ غير هذا التحليل المتناهي في الصغر، كما هو الحال في المدارس التحليلية الغربية المعاصرة، وفي مناهج تحليل الخطاب.
61
| سابعا: من التعليق إلى الشرح
والتعليق أي التحرر من النص المعنوي، كما كان النص المعنوي تحررا من النص الحرفي، بداية الشرح والتلخيص؛ فكلما كان التعليق بالزيادة أو النقصان كان الشرح والتلخيص نوعا من التعليق؛ فالشرح زيادة، والتلخيص نقصان، الشرح إضافة، والتلخيص حذف. الشرح هو تعليق وصلت منه الزيادة والإضافة إلى حد كبير أكبر من النص الأول فاستقل عنه، وأصبح له كيان مستقل بذاته. التعليق خروج نسبي محدد عن النص المنقول، في حين أن الشرح خروج كلي، استقلال ذاتي، إعادة إنتاج للنص الأول، تفتيت للنص الأول إلى وحداته الأولى، حتى يسهل بعد ذلك مضغها وهضمها وتمثلها وإخراجها في التلخيص. الشرح أسهل من التلخيص وسابق عليه، والتلخيص أصعب من الشرح وتال له. الشرح مد للنص المنقول والتلخيص جزر له. قد يبدو الشرح أصعب من التلخيص؛ لأنه أكبر حجما وأكثر حضورا وأكثر استرعاء للانتباه؛ لما فيه من علم دقيق، تفصيلات وأسماء أعلام ومصطلحات معربة، وأن التلخيص أسهل فهما وأخف ثقلا، وأقل حجما، وأوضح أسلوبا؛ ومن ثم فالتلخيص تاريخيا سابق على الشرح؛ لأن التلخيص في مرحلة المران الأولى. والشرح تال التلخيص؛ لأنه محشو بالمعلومات ومثقل بالعلم. والحقيقة أن العكس هو الصحيح بنيويا، أن الشرح يسبق التلخيص، وأن الإسهاب يمثل مرحلة المران الأولى، وأن التلخيص يتطلب قدرة ومهارة، لا توجد إلا عند المتمرسين للشرح الأول؛ ومن ثم كانت شروح ابن رشد من أعمال الشباب، وتلخيصاته من الأعمال المتأخرة فكريا وليس تاريخيا.