فهل قام أحد غير ابن باجة بشرح الشرح والتعليق عليه؟ وقد ترك ابن باجة تعاليق على معظم أعمال الفارابي، كنموذج للتواصل الفلسفي بين المغرب والمشرق. وهي تعاليق بالجمع لأنها تتعلق بجزئيات عديدة، وليست تعليقا واحدا، ويصعب التفرقة بين الوافد المباشر من أرسطو أو الوافد الموروث من الفارابي، نظرا لاتحاد الأسماء مثل إيساغوجي لفرفوريوس وللفارابي. ومع ذلك يمكن من السياق التمييز بين ما لأرسطو وللفارابي ولابن باجة. (1) تعاليق ابن باجة على كتاب إيساغوجي للفارابي
وهو نموذج العبارة الشارحة على الداخل، مثل الشروح المتأخرة في عصر الشروح والملخصات، عندما بدأت الحضارة تعيش على ذاتها، وتجتر إبداعها القديم، وبعد أن تحول الوافد إلى وافد موروث.
3
ويظهر التناص داخل التعليق، التعليق على شرح الفارابي على نص أرسطو، إذ يظهر نصان قصيران لأرسطو من كتاب الحيوان.
4
تقطع عبارات الفارابي أقرب إلى القصر منها إلى الطول، ثم تظهر صفحات بأكملها أقرب إلى التأليف منها إلى التعليق،
5
بل هو أقرب إلى الإبداع منه إلى التأليف؛ لأنه لا يشير إلى الوافد ولا إلى الموروث ولا إلى الوافد الموروث. ولا يوجد نسق معين للتناص؛ إذ يذكر ابن باجة أوائل رسائل الفارابي أو أواخرها، ويعلق عليها ويسقط أجزاء أخرى؛ فالتعليق هنا ليس شرحا أو تلخيصا جامعا كليا، بل تطويرا لبعض الأجزاء.
ويثني ابن باجة على الفارابي لخروجه على إطار إيساغوجي؛ فبدلا من حديث الفارابي عن الألفاظ الخمسة، قسمها إلى قسمين: الأول الألفاظ الخمسة، والثاني معرفة المركبات. وجعل الكتاب أربعة فصول: الأول غرضه، والثاني الكليات والأشخاص، والثالث الألفاظ المفردة، والرابع الألفاظ المركبة. وهو إبداع من الفارابي وليس نقلا عن أرسطو.
6
وتظهر أفعال القول بأولوية الاسم، القول، على مشتقات الفعل، ويظهر السلب مع الإيجاب. ويوضح ابن باجة ما لم يقله الفارابي قارئا أرسطو بالإضافة إلى ما قال.
7
وبطبيعة الحال يبرز الوافد في تعاليق ابن باجة على كتاب إيساغوجي للفارابي.
8
ويتقدم أرسطو ثم فرفوريوس. وتتم الإحالة إلى باقي أجزاء المنطق. ويظهر أرسطو مع الفارابي؛ فالتعليق هنا تتناص بين ابن باجة والفارابي وأرسطو، قراءة ابن باجة لقراءة الفارابي لأرسطو. لم يرتب أرسطو الفصول، ولم يضعها، ولم يتكلم فيها الفارابي من حيث هي نظرية ورتبها كالأجناس؛ فابن باجة لديه إحساس بإبداع الفارابي بالنسبة إلى أرسطو، فإذا رسم أرسطو الكلي، وهو ما يحمل على أكثر من واحد، يقدم الفارابي رسما إضافيا على أرسطو؛ فرسم أرسطو جزئي لا يشمل كل الأصناف، كما رسم أرسطو العرض في كتاب الجدل، ولكن رسم الفارابي أعم وأشمل. ورسم أرسطو الكيفية ثم شرح الفارابي أسماءها ومعانيها ومقاصدها؛ لأن أرسطو ذكر حدودها فقط كما فعل في كتاب الجدل.
9
لم يرتب أرسطو هذه الفصول ولم يضعها، وتلك إضافة الفارابي على أرسطو، وإكماله صناعة المنطق، وهي كأجناس الصناعة كلها؛ فالفصل الخامس من العبارة قائم عليها، والأسماء المشتركة تطبيق لها، ونسبة الفصول إلى المنطق مثل نسبة أقسام الكلام إلى النحو. كما أن المنطق بالنسبة للفلسفة مثل النحو بالنسبة للكلام؛ فالفارابي ينقل المنطق اليوناني على النحو العربي، ويرتب الفصول، ويكشف نظامها العقلي وبنية الموضوع. ويدرك ابن باجة بدقة دور الفارابي؛ مما يجعل التعليق ربما نوعا أدبيا متأخرا بعد الجوامع؛ أي تراكم الوافد حتى يصبح موروثا كمرحلة وسطى في التحول من النقل إلى الإبداع. كما يشعر ابن باجة بإبداع الفارابي في رسم الكلي؛ فهو عند أرسطو يحمل على أكثر من واحد، ثم يقدم الفارابي رسما جديدا، وهو رسم بالإمكان الذي للمعنى من جهة ما هو معقول، ورسم الشخص بعدم هذا الإمكان وبالامتناع؛ فرسم أبي نصر أكثر منطقيا وفلسفيا وذهنيا. ويعطي ابن باجة عدة تأويلات للفارابي؛ فهو أيضا مبدع معه كما كان الفارابي مبدعا مع أرسطو.