44
ويكون ذلك في الغالب وسط الترجمة لا في بدايتها ولا في نهايتها، خاصة إذا كانت الترجمة حرفية، مجرد نقل. يترك الفكر الديني الوافد كما هو عليه بألفاظه، دون إعادة نظر فيه أو التحرج منه أو التعليق عليه، لاحتوائه في البيئة الدينية الجديدة. ربما لأن المعنى مقبول بصرف النظر عن اللفظ، مثل النطق بالواجب وإغضاب الناس والنطق بالجور، وإغضاب الآلهة واستحالة الموت والخلق على الآلهة؛ فالله تصور حدي مثالي يدل على الكمال. كان المترجم هنا مستغربا أو مغتربا، مهمته النقل الامين في مرحلة النقل والترجمة قبل احتوائه وضمه في مرحلة الشروح والملخصات والجوامع، المراحل التالية.
45
وأحيانا يكون النص المترجم محتويا على ألفاظ دينية، دون أن يفهمها المترجم، فتترك كما هي لمرحلة لاحقة في الوعي التاريخي، تشد انتباه الناسخ أو القارئ والمعلق أو الشارح، والملخص أو صاحب الجوامع فيما بعد مثل لفظ الإله. وقد يقتصر التعليق على رفع أداة التعريف؛ لأنه ليس الله ويكون إلها. وقد يستعمل لفظ الإله في النص دونما يثير أي تعليق، وكأنه إله الوثنيين، لا فرق بين المثال من الله والمثال من الإنسان، كلاهما مثل يضرب دون أن يكون له معنى ديني خاص.
46
ويعتبر النص أن هل ينبغي أن يعبد الله من الأقوال المشككية، مع أنها من الأقوال البديهية، مثل ضرورة احترام الوالدين، وكذلك مثل أنه ليس من المستحيل أن يموت أحد بظلم الله، مع أن العدل من الواجبات العقلية.
47
كما يتحدث النص المترجم عن المتوسطات إلى الله، وفي الحضارة الإسلامية الجديدة لا واسطة بين الخلق والخالق، وكذلك الحديث عن الجن هل هو إله أم مخلوق.
48
| سادسا: التعليق كنوع أدبي مستقل
وكما بدأ التعليق كنوع أدبي من الترجمة وداخلها، فقد استقل عنها عند المترجمين مثل «تعاليق عدة على معان كثيرة ليحيى بن عدي» (364ه)، والتعليق لفظ من المؤلف كثر المحقق استعماله.
1
ويعني التعليق هنا بيان وجاهة ترتيب أرسطو قضايا الواجب البسيطة، وإيجاد مزيد من التعقيل والتنظير لها. ويحدث نفس الشيء في التعليق على باري أرمينياس، وشرح وجهة نظر أرسطو في ثنائيات السلب والإيجاب.
ويتحول التعليق من تطور للترجمة المعنوية، بالإضافة، من شرح إلى نوع أدبي مستقل عن الترجمة، أقرب إلى الشرح أو التلخيص أو الجوامع بتقسيم ابن رشد، والحد الفاصل بينها هو تسمية العمل نفسه؛ فقد سمى ابن باجة جزءا من تأليفه تعاليق مثل «تعاليق في الأدوية المفردة». وقد يشار إلى التعليق بمجرد القول أو الكلام. وقد لا يكون هذا ولا ذاك، إنما الحجم الصغير للتعليق، الذي قد يتشابك حينئذ مع التلخيص أو الجوامع. وقد يجمع كل هذا الشرح كنوع أدبي، بصرف النظر عن حجمه وطريقة التعامل مع النص المترجم.
2
ويلاحظ على التعاليق المنطقية تكرار التعليق أكثر من مرة على الكتاب الواحد، واختلاف الأسماء على الكتاب الواحد، وظهور نوع جديد من الارتياض؛ أي التمرينات، من أجل الاستيعاب والتمثل والتعليق على منطق اليقن لا منطق الظن. ويلاحظ على التعليقات الطبيعية التعليق على أجزاء من الكتب خاصة السابعة والثامنة، كما فعل ابن رشد مما يدل على الدقة وتقسيم الكتاب الواحد إلى أجزاء عدة، وعدم ذكر أسماء الحكماء والاكتفاء بأعمالهم التي استقلت عن أصحابها، باستثناء جالينوس مرة واحدة.
هل التعليق شرح على الوافد الموروث، في حين أن الشرح تعليق على الوافد المباشر، قبل أن يتحول إلى موروث غايته التوضيح والتصحيح، من أجل تراكم فلسفي في الوعي التاريخي؟ هو توضيح أمام النفس ونقل الوافد الموروث من عصر إلى عصر، بعد عمق الزمن واتساع الرؤية، فإذا كان الفارابي شارحا للوافد المباشر، فإن ابن باجة يكون معلقا على الشرح أو شارحا له أو مؤلفا فيه؛ فالتراكم الفلسفي يحدث في الوافد بعد أن يصبح موروثا قدر حدوثه في الموروث، مثل شرح ابن طفيل لحيي بن يقظان، في أسرار الحكمة المشرقية لابن سينا.