وارتباط مبحث الألفاظ باللغة اليونانية، يؤكد محلية الحضارة وضرورة تخليصها من الأمثلة الخاصة، من أجل إعطاء أكبر قدر من عمومية الفكر، واستبدالها بأمثلة أخرى محلية لاحتواء الروح دون الجسد، خاصة في مرحلة الشرح والتلخيص بعد النقل والتعليق.
34
وتبدو ضرورة ترك أسماء الأعلام في الشرح بعد ذلك نظرا لوجود كثير من أعلام الأدب اليوناني.
35
وكان من الطبيعي ترك هذه الأمثلة، التي ليست مخزونا نفسيا أو تراكميا حضاريا في الوجدان العربي في مرحلة التأليف، حتى ولو كانت الأسماء اشتقاقا تعني شيئا في العربية، مثل أخيلوس كبر النفس أو تريسماجست المثلث العظمة. كان لا بد من الشرح حتى تسقط أسماء الأعلام، التي لا تعبر إلا عن واقع تاريخي خاص، واستبدالها بواقع تاريخي آخر دال مخزون عند الناس في الوعي التاريخي. ويصعب إحصاء هذه الأسماء لكثرتها في الترجمة، وأن الكم الهائل من أسماء الأعلام، الأشخاص، والفلاسفة، والخطباء، والسياسيين، أسماء الأماكن من بلدان ومناطق وجزر لتجعل كل ذلك لا رنين له في الوجدان العربي الحالي من أي رصيد فيه؛ وبالتالي كان من الطبيعي أن تسقط كل هذه المادة المحلية، وأن تحل محلها أمثلة عربية من اللغة والأدب والتاريخ العربي. وكانت أكثر كتب أرسطو محلية ومملوءة بالبيئة اليونانية الخطابة والشعر؛ فالخطابة أكثر كتب منطق أرسطو ذكرا للأمثلة والشواهد؛ لأنها تحليل لكلام الخطباء والشعراء مثلنا الآن؛ إذ لا يستطيع الفكر أن يكون كذلك دون ديكارت وكانط وهيجل (ماركس)؛ أي دون سقراط وأفلاطون وأرسطو من القدماء؛ فقد تكرر سقراط في ديكارت، وأفلاطون في كانط، وأرسطو في هيجل. كما يشير كتاب الخطابة إلى اليونانيين، كما يشير الغرب الحالي إلى حضارتنا وفكرنا ولغتنا وفلسفتنا. ونحن نقول ذلك تبعية لهم بالرغم من التمايز الحضاري بيننا وبينهم؛ فالإنسان كائن حضاري، كما يكثر في الشيء الإحالة إلى شعراء اليونان واللغة اليونانية.
36
على عكس المنطق حيث يعتمد البرهان على التحليل الصوري. الخطابة والشعر مثل الإلياذة والأوديسة أقرب إلى الثقافة الوطنية مثل المعلقات. ومنها تخرج جماليات الشعر اليوناني والغرب؛ فالشعر حالة خاصة وليست عامة. كانت مهمة ابن رشد بعد ذلك وهو الفقيه الفيلسوف معرفة القاعدة والأصل، كما درس فيكو الأدب القديم لمعرفة قوانين التاريخ.
37
وقد يحتوي التعليق مادة محلية من الوافد، وليس بالضرورة من الموروث وشرحا للوافد بالوافد، لمزيد من الإيضاح قبل نقله إلى الموروث، اعتمادا على اللغة اليونانية أو الأساطير اليونانية أو الفلسفة اليونانية، لشرح الجنس والنوع وجنس الأجناس ونوع الأنواع، أو شرح بعض عادات اليونانيين لفهم الشعر.
38
وقد أمكن التحول من محلية الوافد إلى محلية الموروث في الترجمة والتعليق بالطرق الآتية: (أ)
إنزال أسماء الأعلام في الهامش في التعليق للتخلص منها والإبقاء على الموضوع المثالي من شوائبه التاريخية.
39 (ب)
اختصار هذه الفقرة المملوءة بأسماء الأعلام كلية لأن حذفها لا يؤثر في فهم المعنى.
40 (ج)
الإبقاء على الأسماء الشائعة مثل سقراط، كموضوع في قضية حملية في مقدمة صغرى في قياس منتج.
41
وقد يأتي سقراط نظرا لشهرته محل كالباس. (د)
إسقاط الاسم اليوناني مثل كالباس الذي يعبر عن المجهول إلى ما يقابله في اللغة العربية مثل زيد وعمر.
42 (ه)
شرح اللفظ اليوناني على عادة اليونان في التعليق مثل تسمية الصوت الصافي أبيض.
43
ولو كانت اللغة ليست مجرد أصوات فارغة، بل تعبير عن سلوك، يتحدث النص العربي عن المحبة التي تكون في فعل الجسم، ويضيف التعليق يريد القبلة. وإذا تكلم النص عن التصاريف، فإن التعليق المقصود بذلك في اللغة العربية.
وغالبا ما تترك البيئة اليونانية، لغة وثقافة ودينا، في الترجمة بلا احتواء؛ فتلك مهمة التعليق والشرح والتلخيص والجوامع، ثم العرض والتأليف قبل الإبداع؛ لذلك يظهر لفظ «الآلهة» بالجمع.