28
لا يجوز إكمال الترجمة العربية القديمة بالنص اليوناني الحديث؛ فقد يكون للحذف دلالة حضارية، إن لم يكن مجرد ضياع جزء من النص اليوناني القديم.
29
والحكم بأن هناك بترا في المخطوط، إن كان ذلك صحيحا، حكم على المخطوط باعتباره وثيقة تاريخية، وليس باعتباره حاملا لدلالة حضارية. وإكمال الناشر الحديث له تدخل تاريخي في عمل حضاري لا تاريخي. وإن كانت هناك أدلة على البتر، مثلا غياب اللازمة الدينية المعروفة في الخاتمة، فإن إضافتها يغير الدلالة لأنها إضافة تاريخية دون دلالة.
30
ليست الغاية من الترجمة العربية القديمة تصحيح النص اليوناني؛ فالأصل هو الترجمة العربية والفرع هو النص اليوناني، وليس العكس على ما يبدو من التتابع الزمني؛ فالحذف من والزيادة على النص اليوناني لهما دلالتهما بالنسبة للنص كموقف حضاري. ليس النص وثيقة تاريخية تجب المحافظة عليها، بل حامل لموقف حضاري. ما يهم في الترجمة هي التغيرات الدالة وليس مجرد تغيير حرف أو كلمة لا دلالة لها قد ترجع إلى أخطاء النسخ.
31
وهي أخطاء غير دالة؛ فالصلة بين النص والترجمة تتعلق بالجوهر، باللفظ والمعنى والشيء ذاته موضوع الترجمة. ليست الغاية من الترجمة العربية الآن الإفادة منها في تحقيق النص اليوناني، وكأن النص اليوناني هو الأصل والترجمة العربية هي الفرع؛ هذا هو مفهوم المستشرق كباحث أوروبي، ولكن الأمر يختلف بالنسبة للباحث الوطني؛ فالأصل هو الترجمة بالعربية، والفرع هو النص اليوناني أو السرياني لمعرفة مسار الفكر، والانتقال من النقل إلى الإبداع. كل مستشرق يعتمد على الآخر في رؤية واحدة لعلاقة الأصل اليوناني بالفرع العربي،
32
بل يلحق الترجمة السريانية بالأصل اليوناني، ويضعها في جانب واحد حيث الاتفاق أكثر من الاختلاف، في مقابل النص العربي حيث الاختلاف بينهما وبينه أكثر من الاتفاق، بل إنه يتم تغيير كلمات السرياني بحيث يكون النص متفقا مع النص اليوناني (تكاتش). ليس المهم إذن الانتفاع بالترجمة العربية لتحقيق النص اليوناني، بل الانتفاع بالنص اليوناني لمعرفة الحذف والإضافة بالنسبة للنص العربي، والتعرف على عمليات التمثل والاحتواء لثقافة الآخر ضمن ثقافة الأنا. لا يعوض الفرح بوجود النص العربي، والحزن على فقد النص اليوناني، عن طريق إعادة تركيب النص اليوناني؛ هذا يتفق مع عقلية المستشرق وموقفه الحضاري، الذي يرى أن اليونان هو الأصل والعرب هم الفرع، وهو خليفة الأصل ويريد اكتشاف أصوله. في حين أنه عند الباحث العربي، الأصل هو النص العربي المركب، والفرع مع فروع أخرى صحيحة أو منحولة هي النص اليوناني.
33 (3) الترجمة القديمة والترجمة الحديثة
ولا يجوز إكمال الترجمة العربية القديمة بترجمة عربية حديثة؛ فليس الغرض إعادة النص اليوناني بل شرح النص العربي، وشتان ما بين الموقفين. يهم المستشرق النص اليوناني كأصل، ويستعمل النص العربي كفرع، والنص السرياني كفرع آخر، في حين أن الموقف الحضاري للباحث الوطني، هو التعامل مع النص العربي القديم بعبله، بأخطائه، بنقصه وزياداته؛ فلا يوجد سوء فهم في الحضارة بل تأويل، لا يوجد خطأ أو صواب في فهم النص بل قراءة له.
34
وقد يكون الحذف العربي لإحدى نهايات المقالات، التي تعلن عن نهاية جزء وبداية جزء آخر خاصة بالتراث اليوناني، لا يحتاجها المترجم العربي القادر على عمل مقطع آخر، ليعلن عن نهاية موضوع وبداية آخر.
35
ولا يجوز إكمال الترجمة العربية القديمة اعتمادا على الترجمة اللاتينية القديمة، بدعوى أنها ترجمة للأصل العربي القديم، ولما كان اللاتين أكثر حفظا للنص، وأقرب عهدا لنا كان النص العربي القديم ناقصا؛ فربما كان الحذف من الترجمة العربية مقصودا؛ لأنه غير ذي دلالة. وربما كانت الزيادة في الترجمة اللاتينية مقصودة؛ فقد قام اللاتين بعمليات حضارية أخرى في نقل النص من العربية إلى اللاتينية، فإذا كان الحال كذلك مع النص اللاتيني القديم، فالأولى أن يكون مع النص اليوناني الحديث؛ فلا يجوز إكمال فقرة «ناقصة» في الترجمة العربية، اعتمادا على النص اليوناني الحديث؛ لأنها ليست ناقصة بل محذوفة عن قصد؛ فالترجمة العربية إعادة إنتاج للنص اليوناني، وليست ترجمة له، باستبعاد الإسهاب وتحصيل الحاصل، والتكرار، والأمثلة المحلية اليونانية.