تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

بعض الفقرات غير موجودة في النص اليوناني. وقد تكون في الهامش أولجها الناسخ في النص؛ فالترجمة ليست حرفية بل معنوية. والتعليق لا ينفصل عن النص بل جزء منه، لدرجة أن الناسخ قد يدخله فيه؛ فالنص مركب بين المترجم والناسخ والمعلق والشارح والمؤلف. المهم هو تركيب الموضوع وخلق النص حضاريا وليس نقله حرفيا. الترجمة إيداع وليست مجرد نقل.

14

وإذا كان التعليق طويلا فإنه بداية الشرح، من أجل بيان اتساق الفكر مع ذاته. وقد تتضمن الزيادات شرحا للنص المترجم، تكتب فوق النص الأصلي بلون أحمر مخالف، والإشارة إلى ذلك صراحة بلفظ أي أو فعل يعني أو يريد؛ فالأشياء الطبيعية مثلا هي التي في الكون والفساد،

15

وذلك يعبر عن التمايز بين الأصل والتعليق، احتراما للنص كوثيقة تاريخية، والفصل بينه وبين التعليق عليه.

وفي حالة الحذف يكون النص السرياني مسطحا، يخلو من العمق، لا دلالة له، مجرد تعايش للفكر على ذاته، لا هدف له. والحذف أحد طرق الشرح يجعل العبارات أقل، والدلالة أكثر، الميوعة أقل، والتركيز أكثر؛ فالمحلول الخفيف إذا ما ترك للبخر أو بفعل الغليان يقل ماؤه ويزداد تركيزه. نص التحليلات الأولى من هذا النوع، أقل دلالة من المقولات والعبارة، كله أشكال رياضية، وأمثال بحروف أبجدية وأقرب إلى المنطق الرياضي.

16

وتمتاز السريانية على اليونانية بالتركيز؛ وبالتالي كان الحذف ومرونة الترتيب هو الشائع، وهو ما حدث نفس الشيء بالنسبة للترجمة العربية. قام السريان بالترجمة إلى العربية بنفس الحذف ومرونة الترتيب؛ فالعربية والسريانية أكثر تركيزا من اليونانية. لا يعني الحذف إذن إسقاطا أو تحريفا، يضيفه الناشر الحديث من الأصل اليوناني أسوة بالترجمة الأوروبية، بل هو تركيز مقصود طبقا لخصائص اللغتين السريانية والعربية.

وفي حالة الحذف لا يعني إسقاط مثل أي خطأ أو نسيان، بل لذلك دلالة على بداية التلخيص، وترك الثقافة المحلية.

17

وإذا سقطت عبارة من النص اليوناني، فإن ذلك لا يعني الخطأ غير المقصود، بل يعني الحذف المقصود؛ فقد لا يكون لها معنى بالعربية، خاصة إذا كان مثلا شعبيا لا يترجم إلا معناه.

18

الترجمة العربية أكثر اختصارا؛ فالعمل الحضاري يتم أيضا في الترجمة بطريقة غير واعية. ولا يهمنا إصلاح الترجمة العربية بالرجوع إلى النص اليوناني؛ فالزيادة والنقصان في الترجمة العربية لها دلالتها الحضارية، أكثر من ضبط النص اليوناني كوثيقة تاريخية. ليست مهمة الباحث الوطني اليوم التعامل مع الترجمة العربية القديمة، تعامل عالم الآثار الذي يقوم بترميم آثاره، بل معرفة أصول البناء، فإذا ما حذف جزء من النص اليوناني، فإنه لا يعاد إلى النص العربي؛ فالحذف له دلالة مثل الإضافة. الحذف يدل على التركيز وترك الإسهاب والتوجه نحو القلب، وهو ما سيصبح التلخيص فيما بعد. وعندما يكون التعليق مركزا، حينئذ تكون بداية التلخيص؛ أي ترك الاستطراد.

وما يحدث في الترجمات يحدث أيضا في الشروح ؛ إذ يرجع النص في شروح ثامسطيوس لحرف اللام من الفصل السادس إلى العاشر، إما إلى حذف الشواهد أو التفاصيل عسيرة الفهم، أو حذف الاستطرادات التي تخرج عن الموضوع الرئيسي. وقد يقوم بذلك الشارح أو الناسخ أو القارئ؛ فقد أجرى هذه التلخيصات الناسخ في صلب الترجمات التي نقل عنها الشارح؛ فالناسخ له دور حضاري في تقديم المعنى إلى الناس، وليس تقديم الوثيقة التاريخية التي هي النص، والتي قد يحرص عليها المترجم.

19

وأحيانا تسقط الترجمة العربية أو السريانية جزءا من النص اليوناني، فهل يجوز للناشر الحديث زيادتها في النص القديم، أم يظل النص القديم كما هو بدلالة النقصان والزيادة؟ النقص لعبارة لأنها متضمنة في العبارة السابقة تفاديا للتكرار؛ فاللسان العربي أكثر تركيزا من اللسان اليوناني.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ١١١