19
ففي التعليق أيضا يبدأ التخلي عن أرسطو كاسم علوم وشخص إلى الفليسوف، أيا كان النموذج المثالي، صاحب الحكمة، النبي؛
20
فالنص لم يعد له مؤلف، كخطوة نحو إسقاط الفيلسوف ذاته حتى يبقى النص وحده بلا مؤلف، كخطوة نحو إسقاط النص نفسه من أجل إبداع نص جديد. «قال الحكيم» بدلا من قال أرسطو يدل على إسقاط اسم العلم كمقدمة لظهور الحكمة غير الشخصية، كما أن زيادة الحكيم بعد الاسم تمهيد لترك الاسم الشخصي والاكتفاء بالحكيم، ثم الاكتفاء بالحكيم ثم الاكتفاء بعد ذلك في مرحلة التأليف بالحكمة. وإن إعطاء أرسطو الألقاب، الفيلسوف، الحكيم، قبل اسم العلم أو بعده لهو بداية لإسقاط الاسم والاكتفاء باللقب، قبل أن يسقط اللقب والاكتفاء بالفكرة. وقد كان ذلك أيضا أحد أسباب تأليه المسيح، عندما أعطيت له ألقاب المعلم، السيد، الأب، ابن الإنسان ثم الإله على نحو تدريجي وتعظيمي جيلا بعد جيل حتى تم إسقاط اسم يسوع وباقي الألقاب ولم يبق إلا الإله. أما فلاسفة اليونان الآخرون فإنهم يذكرون باسم أفلاطون، فيثاغورس، وأرسطو وحده هو الفيلسوف.
21
| ثالثا: طرق التعليق
ويكون التعليق بطرق ثلاث: الإضافة، والحذف، والتأويل، الإضافة والحذف تعامل كمي، والتأويل تعامل كيفي. الإضافة زيادة على النص من الداخل والخارج، من داخل الثقافة، النص المنقول أو من خارج الثقافة، ثقافة نص الناقل، والحذف نقص، نقص من ثقافة النص من أجل التركيز على قلبه، والحصول على معناه المستقل وترك الشوائب التي تقل من حدة نصل النص. أم التأويل فإنه إعادة توجيه النص في اتجاه غير اتجاه النص المنقول أو إعادة توظيفه في وظيفة أخرى مغايرة لوظيفة النص المنقول أو تعميق النص المنقول، واكتشاف أبعاد ومستويات جديدة فيه أو إكمال النص المنقول من أجل تكامل رؤيته واتزانها، فتعدد الترجمات بداية للتعليقات، والتعليقات بداية للشروح والملخصات، وكل نقل ترجمة، وكل ترجمة قراءة، وكل قراءة شرح أو تلخيص؛ فالمترجمون مفسرون قبل الشراح، فإذا كان التعليق هو حديث عن النص باعتباره آخر، فإن الشرح بعد ذلك توضيح لهذا التعليق، والتلخيص إبراز لمعناه. قد يطول التعليق فيصبح عبارة شارحة، وهو بداية الشرح عندما يتم الاستغناء عن النص كلية، ويقصر فيصبح تلخيصا استغناء ايضا عن حرفية النص.
1
يقوم التعليق أولا بدور الشرح والتلخيص؛ فهو البذرة الأولى المشتركة لهما قبل أن يتمايزا في نوعين أدبيين مستقلين. قد يطول التعليق فيخرج المعلق عن الترجمة ويبدأ الشرح، ثم يبدأ الشرح في الانفصال كعمل مستقل. التعليقات بالجمل الشارحة بداية تولد الشرح من التعليق.
2
وقد بدأ التعليق من قبل الترجمة السريانية لنفس السبب، وهو تحول النص إلى موضوع حضاري بانتقاله من البيئة الثقافية اليونانية إلى البيئة السريانية؛ خدمة للدين الجديد وهو النصرانية. كان أمام النص العربي ترجمة سابقة وتعليق مسبق، وكان عليه أن يختار: إما حذف السرياني من النص اليوناني أو إضافة النص السرياني على النص اليوناني. وكان عليه أن يقرر حذف أو إضافة النص اليوناني أسوة بالسرياني أو إضافة النص اليوناني على حذف السرياني أو حذف اليوناني وإضافة السرياني. وكان عليه أن يقرر أيضا اتباع النص اليوناني مباشرة بلا حذف، أو إضافة، أو بالحذف أو بالإضافة، دون الاسترشاد بالتجارب السابقة. ولما كان المترجم العربي يهمه النص الحضاري وليس النص التاريخي، لم يكن لديه كل هذا الورع أمام النص كوثيقة تاريخية، بالرغم من أن الحضارة الجديدة قائمة على الكلام المدون والنص المكتوب. لم يكن التعامل مع النص، حذفا وإضافة في السرياني إلى اليوناني من أجل معرفة موضوعية به، بل كان تعاملا ذاتيا خالصا طبقا للموضوعية الحضارية. ليس النص وثيقة تاريخية تحمل أخبارا، بل هو موضوع حضاري حامل لتفاعل، ونقطة التقاء بين الحضارات؛