تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

وقد تتحول الترجمة المعنوية بطبيعتها إلى اقتباس، وذلك بفعل التركيز على المعنى، وترك الشوائب خاصة لو كانت اللغة المنقول منها تحليلية مثل اللغة اليونانية، في حين أن اللغة المنقول إليها تركيبية مثل اللغة العربية. هنا تبدو الترجمة وكأنها تركيز وتقليص وضغط واقتباس، وهذه الترجمة بداية التلخيص؛ فالتلخيص يأتي بعد الترجمة المعنوية المركزة. الاقتباس حلقة الاتصال بين الترجمة المعنوية والتلخيص. الاقتباس هو فصل القلب عن الأطراف، والجوهر عن الأعراض. وعادة ما تظهر هذه الاقتباسات كأقوال مأثورة، تتناقلها الذاكرة في آخر الترجمات العربية، وكأنها الدروس المستفادة من الترجمة أو ما يبقى منها في الذاكرة بعد النسيان.

12

وقد تحولت بعض العبارات فيما بعد بسبب جمال التربة إلى أمثلة وعبارات مشهورة، مثل تحول «إن فقدنا حسا فقد يجب أن نفقد علما» لأرسطو إلى «من فقد حسا فقد علما».

13

وهكذا تنشأ الأقوال المأثورة وتصبح نوعا أدبيا يتم التأليف فيه مثل النوادر. ويتحول كثير منها إلى جزء من الآداب الشعبية والحكم والأمثال، وتختلط بالوافد وتصب فيه حتى لا يصبح هناك فرق بين أقوال سقراط وأفلاطون وأرسطو وأقوال الرسول والحكماء والصوفية.

وقد يتضمن التعليق حكم قيمة. وحكم القيمة بداية النقد في المرحلة الثالثة، مرحلة التخلي كلية عن الوافد إلى التأليف في موضوعاته؛ فقد يزداد الخلاف اللغوي لدرجة أنه يحتوي على حكم قيمة؛ فمثلا الخلاف بين الخلف وبين محال وشنيع وقبيح في النوع وليس فقط في الدرجة. الخلاف حكم منطقي في حين أن الشناعة أو القبح حكم أخلاقي منطقي؛ فالحكم تقوية للمعنى وإظهار له وابتعاد عن المعنى الأول واقتراب من المعنى الثاني؛

14

فالتعليقات الناقدة بداية التأليف، والمترجم ليس فقط مترجما معلقا بل معلقا ناقدا.

15

والتقييم ليس أخلاقيا بل هي قراءة حضارية. ومهمتنا فهم الماضي وفهم طبيعة الموقف الحضاري القديم، وليس الحكم عليه حكما خارجيا بالخطأ والصواب؛ فلا يوجد تاريخ صرف دون قراءة.

16

كما تدل نسبة النص إلى صاحبه أيضا على درجة الاقتراب من المعنى المستقل عن الشخص أم المرتبط به؛ فلو قيل مثلا: «كتاب أرسطوطاليس المسمى قاطيغوريا»، فإن النص ما زال مرتبطا بصاحبه بدليل التقديم للمؤلف على نصه. أما إذا قيل كتاب «قاطيغوريا» لأرسطوطاليس، فإن النص هنا له الأولوية على المؤلف بدليل التقديم أيضا كخطوة نحو استقلال النص كعمل مستقل بذاته، حتى يتم التعامل معه في مرحلة التمثيل؛ أي التعليق والشرح والتلخيص بعد فك الارتباط بينه وبين صاحبه، وكأنه لا صاحب له. ويصبح القارئ هو المؤلف الثاني. ولما كان المؤلف الأول قد مات يصبح القارئ الثاني هو المؤلف الحي. ومن كان يعبد المؤلف، فإن المؤلف قد مات، ومن كان يعبد القارئ فإن القارئ حي لا يموت.

17

كان أحد مهام التعليق إسقاط أسماء الأعلام حتى يقضى على عجمة النص مع المصطلحات المعربة، وتحويل النص إلى معنى مستقل وموضوع ذهني بلا شوائب من الثقافات المحلية أو التاريخ. مرة الإشارة إلى أرسطوطاليس، ومرة إلى أرسطو بداية لتقلص الاسم بحذف أداة الرفع، كخطوة للتخلص من الاسم كله، والإشارة إلى الحكيم؛ أي إلى العقل المجرد، ثم الذهاب إلى الموضوعات مباشرة بلا أسماء أو ألقاب. وهي عملية

Idealization

للشخص وتحوله إلى موضوع، كما فعل الفارابي بعد ذلك في التوفيق بين رأيي الحكيمين «أفلاطون الإلهي» و«أرسطوطاليس الحكيم»، وكما حدث في تطور العقائد المسيحية وتحول شخص المسيح إلى ألقاب: المعلم السيد، ابن الله، والعقائد إلى عقائد الألوهية.

18

وتتراوح نسبة النص لأرسطو بين الخصوص والعموم، بين المحلية والشمول. يظهر الخصوص في وصفه بأرسطوطاليس الفيلسوف اليوناني. ويظهر أقصى العموم في لقب الفيلسوف أو الحكيم أو المعلم الأول، وإسقاط اسم العلم ثم الحضارة التي ينتسب إليها. وقد تتكاثر الألقاب مثل الفيلسوف، الحكيم، المعلم الأول، الفيلسوف الأعظم. وقد تأتي الألقاب قبل اسم العلم أو بعده. وتبلغ قمة العلوم عندما يسقط اسم العلم والحضارة التي ينتسب إليها والألقاب كلها، ولا يبقى إلا الموضوع مثل أثولوجيا؛

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ١٠٨