40
والنفس الإلهية، والخيرات أو الفضائل بعضها إلهية، وبعضها إنسانية. والحكمة هي العلم بالأمور الإلهية والإنسية، والفضائل الأوائل تقصد الآلهة والحق، ثم الآباء ثم الأموات وحسن الطاعة خدمة الآلهة، وهم المتألهون. ولا تختلف الفضائل الإلهية عن الفضائل الإنسانية، ويكون الإنسان إلهيا إذا ما طهر نفسه أو عاش للعقل، والكمال الخلقي غرض سماوي إلهي؛ لذلك يوصف أفلاطون أنه إلهي. وبسبب هذه النزعة الأفلاطونية الإشراقية يحال إلى الهند وبراهمة الهند، حتى تتوحد حكمة الغرب مع حكمة الشرق في الحكمة الخالدة.
| ثانيا: وسائل التعليق
ويوضع التعليق وسط النص في أعلى الصفحة؛ ليبين بداية مقالة ونهاية أخرى، وكأن الفكر يتم التعبير عنه على دفعات، وكأن رصيد الفكر ملك المترجم أو المعلق أو الناسخ أو حتى القارئ، يخرج منه قدر الحاجة، وكأنه حاجب يعلن عن قدوم الأفكار أو ذهابها، ويسجل تاريخ الزيارة بالتاريخ الهجري.
1
وإن تقسيم النص إلى فقرات أو أقسام مثل تقسيم «المواضع»، ووضع أرقام لها ابتداء من حرف «أ»، لهو بداية التعرف على الموضوعات المستقلة، وتركيب بعضها على بعض؛ من أجل اكتشاف بنيتها حتى يسهل التعامل معها. ويلاحظ الناسخ اضطرابا في التقسيم حتى يستقر إحصاء الموضوعات؛ فعن طريق الترقيم يمكن حصر الموضوعات واكتشاف التكرار، ومراجعة الترقيم والتقسيم إخراج للموضوعات من النص وبداية التعامل مع المعاني.
2
ويقوم التعليق بالتنبيه على البداية والنهاية لموضوع أو فقرة أو مقالة إعلانا عن الموضوع وتقسيمه. التعليق تحويل النص المتصل إلى النص المتصل إلى نص متقطع، والسائل إلى صلب، وهي مهمة قام بها الناشر الحديث بوضع عناوين جانبية على الفقرات، وإلا لأصبح النص كتلة واحدة لا مقاطع فيها ولا تقاطع.
3
ويشير التعليق إلى قسمة الفواصل مبينا أجزاءه.
4
والعجيب أن تخلو الطبعات الحديثة التي قام بها المستشرقون للترجمات العربية من الترقيم وهم المولعون بالترقيم؛ لأن النص لا يمثل شعوريا أو لا شعوريا لديهم أية قيمة تستحق. مع أن القدماء قاموا به لمعرفة أول الكلام من آخره، حتى يبدأ موضوع وينتهي آخر. الهدف من تقطيع النص هو حصاره بالشرح حتى يختفي النص داخل الشرح، ويتم ابتلاعه فيه وتقطيع اللقمة حتى يتم مضغها وابتلاعها. ليس النص غامضا بل من أجل احتوائه وحصاره حتى يسهل الابتلاع.
5
والعد والاحصاء والترقيم يحيل النص السائل إلى فكر صلب، والكتلة الواحدة إلى أجزاء، والعمود الواحد إلى تمفصلات بتعبير المغاربة؛ مما يدل على تحويل الفكر إلى موضوعات وتركيبات حتى يظهر الكل الشامل.
6
وقد يكون الإحصاء والترقيم في النص فيتجاوزه الشرح، ويضم النص ويبرز الفكرة موحدة بلا أجزاء،
7
والهدف من إحصاء الحجج وعرضها بعقلانية واتساق مع نفسها، هو عرض الفكرة مبرهنا عليها؛ فالبرهان جزء من الفكر، وما لا دليل على ثبوته يجب نفيه في منطق الأصوليين. والفكر اليوناني يساعد على ذلك؛ فهو يقوم على القسمة والحاجة، وعد المشكلات وإحصاء الحلول؛ مثل حجج زينون وما أثارته في الردود عليها في تاريخ الفلسفة كله. وبهذه الطريقة يتحول الفكر إلى دعاوى وحجج وكأنه على كلام ذهني.
8
ويتحول الفكر إلى مناقضات مثل مناقضات الجرير والفرزدق.
9
ويضيف المترجم أو الناسخ عناوين جانبية للفقرات مثل الناشرين المحدثين في الغرب، تمهيدا لتقطيع النص إلى فقرات، كل منها في موضوع تمهيدا للحديث في الموضوعات ذاتها دون نصوص.
10
وقد يكون التعليق مضمرا عن طريق الفعل وليس عن طريق القول، بحذف أجزاء من الترجمة، ترك ما لا يفيد والإبقاء على ما يفيد؛ فقد تكون الترجمة لمقتطفات من الكتاب وليس للكتاب كله؛ فالنص الأصلي ليس كله على نفس المستوى من الدلالة. الترجمة تقوم على اهتمام بموضوع ثم نقله. وقد تختلف عدة موضوعات من حيث درجة اهتمام المترجم بها في نفس النص.